وداعاً إيكو.. أمبرتو إيكو بين اسم الوردة والعدد صفر 

حنان فهد | السبت 20 شباط 2016 | 10:31 مساءً بتوقيت دمشق

مشاركة

رحل الكاتب والفيلسوف الإيطالي "أمبرتو أيكو" الملقب بـ "العجوز المرح" مساء الجمعة الموافق ١٩ شباط عن عمر ٨٤ عاما. 

ولد إيكو في العام ١٩٣٢ في مدينة تجارية صغيرة في الشمال الإيطالي تدعى ( أليساندريا)، وعاش فيها طفولته لعائلة ميسورة الحال تتكون من والده ووالدته وثلاة عشرة ابناً آخرين, وكان مقرراً أن يلتحق بالجامعة ليدرس المحاماة لكنه عدل عن ذلك وفضل التخصص في فلسفة و آداب القرون الوسطى.

حصل على شهادةالدكتوراه عام ١٩٥٤، ثم بدأ بتدريس الفلسفة فيجامعة تورينو، و عمل أيضاً في الإذاعة الفرنسية وتلفزيون RAI والصحافة محرراً للشؤون الثقافية، إلى جانب عمله في دار نشر (بومبيني) التي استمر فيها حتى عام ١٩٧٥.

الشهرة 

لم يعرف ايكو الشهرة في المشهد الثقافي حتى سن الخمسين, سوى مؤلفاته النظرية في فلسفة اللغة والتأويل والدلالة, بيد أنه كان فيلسوفاً عارفاً بأدب القرون الوسطى وكذلك منظراً رفيع المستوى لبنية النص الأدبي و رموزه وعلاماته.

يصف إيكو نفس بالقول: "أنا فيلسوف, ولا أكتب الروايات إلا في عطل نهاية الاسبوع ولأنني فيلسوف فإنني مهتم بالحقيقة, ولأنه من الصعب جداً أن نقرر ما إذا كان هذا الأمر حقيقة أم لا? فقد وجدت أن من السهل جداً الوصول الى الحقيقة عبر تحليل مجموعة من الأكاذيب".

واعتبر أمبيرتو إيكو رائد السيميائيات, وفلسفة اللغة, لكنه رغم ذلك لم يدخل ميدان التطبيق العملي لأفكاره النظرية إلا في العام ١٩٨٠ حيث قدم أول رواياته "اسم الوردة".

ايكو

اسم الوردة

يكتسح فيها المسرح الروائي العالمي بعمل متكامل فنياً وفكرياً و ليعلن عن نفسه منذ ذلك الحين واحداً من أهم الروائيين المعاصرين في العالم.

وتتحدث رواية "اسم الوردة" عن الراهب ويليم الذي يلتحق بالدير فيجد أمامه سلسلة من جرائم القتل الغامضة التي يذهب ضحيتها قساوسة ينتمون للدير, ولأن ويليم يمتلك قدرة على التحليل المنطقي فإنه لا يستسلم للاعتقاد السائد أن الجرائم سببها الأرواح الشريرة, فيبدأ رحلته مع الأشرار التي تكشف على نحو مثير, أن القاتل يعيش في أروقة الدير.

و يقوم أمبرتو إيكو بالرواية معتمداً على مخزونه الهائل من المعرفة في الخطاب القروسطي, تجلت في الحورات التي يجريها ويليم مع زملائه القساوسة عن الأفكار والمذاهب.

هذه الرواية ترجمت للاكليزية عام ١٩٨٣ وحققت نجاحاً كبيراً أدى في نهاية المطاف إلى تجسيد أحداثها في فيلم عام ١٩٨٦ من بطولة الفنان العالمي "شون كونري" و إخراج الفرنسي "جاك آنود".

وجاء عنوان "اسم الوردة" بالصدفة البحتة و أشار إيكو إلى إعجابه بهذا العنوان بالذات حيث أن الوردة رمز ثقيل دلالياً اتخذ معان متعددة عبر التاريخ لدرجة أنه قد لايحوي معنى واضح الآن.

وفي السطر الأخير للرواية كتب: "كانت الوردة اسماً, ونحن لا نمسك إلا الأسماء" وهو شعر لراهب عاش في القرن الثاني عشر "برنارد دي كولني" كتب في نفس تاريخ أحداث الرواية، قد يكون الماضي الجميل الذي نفتقد روحه الخصبة ولا نلمس منه إلا التسميات! 

وقد يترجم السطر "كانت روما اسماً ونحن لانملك إلا الأسماء, قد يشير إلى معان ضمنية حول "ضياع المدينة" أو "المدينة المهددة".

و هو بهذا يسقط على الفترة المضطربة سياسياً التي دارت أثنائها أحداث الرواية والمشاحنات بين الكنيسة والامبراطور, والممارسات الهمجية لبعض الأفراد والطوائف, حيث كما قد يرى معاصرو هذه الفترة اهتزاز سلطة روما للمرة الثانية والمقصود بالسلطة هذه المرة "السلطة الدينية".

أعمال أخرى

في العام ١٩٨٨ أي بعد الرواية الأولى بثمانية أعوام, قدم أمبرتو إيكو روايت الثانية ( بندول فوكو) ليغوص أكثر في التاريخ والثقافة عبر قصة لا تقل تشويقاً عن الأولى.

أبطالها ثلاثة محررين يقررون البحث عن خريطة فكرية للعالم تسمح بفهم أكبر لأحداث تلتاريخ ولوجود الإنسان نفسه وتأخذهم تلك الرحلة إلى أزمنة وأماكن مخنلفة من أوربا الوسطى إلى الحروب الصليبية في الشرق مروراً بأمريكا اللاتينية حيث تنحدر ديانات قديمة مجهولة.

وكانت روايته الثالثة ١٩٩٤بعنوان (جزيرة اليوم السابق) وفيها يذهب إيكو إلى الوراء أربعمئة سنة تقريباً ليعرض حرب الامبراطوريات الكبرى للحصول على خريطة الطول و دوائر العرض على سطح الكرة الأرضية والتي سيسمح لمن يمتلكها بمعرفة موقع أساطيله التجارية والحربية في المحيطات البعيدة, وهو مايعني فرض هيمنته على المجتمع.

انها بالمختصر: رواية عن الدماء التي سكبت من أجل اكتشاف صغير يعى خطوط الطول سيغير مجرى التاريخ.

وقدم إيكو في ذلك العام كتاباً نقدياً عن التأليف الروائي بعنوان (ست نزهات في غابة السرد).

وفي مطلع الألفية الجديدة قدم روايته الرائعة والمهمة (باود ولينو) التي تجلى فيها خياله الخصب وقدرته على التحكم بعناصره الفنية عبر حكاية تاريخية ينتقل خلالها البطل "باودولينو" الشبيه بـ "دون كيشوت" بين أزمنة مختلفة, وأماكن متنوعة واقعية وخيالية و أسروية عاش خلالها لحظات سقوط القسطنطنية وحارب جماعة الحشاشين والتقى بمثقفي باريس وبفيلسوفة الاسكندرية المتنورة "هيباتا" كما سافر إلى الفردوس المفقود بحثاً عن حقيقة الأسطورة.

في عام ٢٠١٠ صدرت روايته (مقبرة براغ) وفيها يكشف إيكو النقاب عن بعض الحقائق التاريخية التي يتم التكتم عليها و اخفاؤها وذلك من خلال خلق شخصية متخيلة تسرد تفاصيل مثيرة, بحيث يبلور المزج بين الحقيقة والخيال صورة للحقية الروائية التي تستمد قوتها من التاريخ والواقع و تكتسب تفردها من تنسيبها إلى الخيال الروائي.

وأهم مايبرز في هذه الرواية أن "هناك مركزية عالمية تسعى إلى إبقاء العالم مستنقعاً لترويج الضغائن والأحقاد والانتقامات, ومسرحاً لخلق البلبلة والقلاقل باطراد, حيث تسعى سلطة الخفافيش لتسييد العتمة والشرور".

العدد صفر.. والصحافة

وكأنه يعرف أنه سيرحل قريباً. اختار عنوان لروايته الأخيرة في العام المنصرم ٢٠١٥ (العدد صفر). ونشرت صحيفة الغارديان البريطانية سلسلة من المقالات التي تتناول أحداث الرواية وذلك بمناسبة صدور الترجمة الانكليزية لتلك الرواية.

وعنوان (العدد صفر) يشير إلى العدد التجريبي لذي يسبق ظهور المطبوعة رسمياً, وأحداث الرواية تدور حول هذا العدد.

تدور أحداث الرواية في مدينة ميلانو الايطالية في تسعينات القرن العشرين حين ظهور سيلفيو برلسكوني رئيس الوزراء الايطالي الذي أضحى رمزاً للفساد في إيطاليا.

وبطريقة مشوقة وساخرة ينقلنا أمبرتو ايكو إلى عالم الصحافة وكيف يقوم الصحفيون بكتابة الأخبار التي لاتزعج المسؤولين ورجال الأعمال وكيف يقومون بتشويه سمعة قاض نزيه يحارب الفساد.

 في الرواية يبين إيكو انحراف الصحافة عن قيمتها، ويقول: "لم يعد للحقيقة قيمة في أيامنا والناس لم تعد تكترث لما يكشف يومياً من فضائح لأنها اعتادت على فساد حكامها وسئمت منها, لم يعد هناك تفرقة بين الأبيض والأسود والناس لايرون فائدة في الاصلاح، الفساد أصبح شيئاً مشروعاً وعادياً, من يقبع في السجن هم فقط سراق الدجاج, أما رجال المافيا فهم أعضاء في البرلمان والسراق الكبار أعضاء لحكومة".

في هذه الرواية أيضاً نقد لنظرية المؤامرة من خلل التحقيق الصحفي الغريب الذي يقوم به الصحفي "براغادوتشيو" عن مقتل موسوليني, حيث يعتقد إيكو أن نظريات المؤامرة تنتشر بشكل غريب عبر مواقع الأنترنيت ووسائل التواصل الاجتماعي.

الخاتمة 

حلق أمبرتو إيكو بين "اسم الوردة والعدد صفر" الذي لم يكن نسخة تجريبية. ورحل تاركاً حقلاً يتبرعم بعملقة خضراء.

يقول أمبرتو ايكو: "أعتقد أن على المؤلف أن لايكتب ما يعتقده القارئ, فالمشكلة ليس مايحتاجه القارئ, بل مايجب أن يتغير فيه ... أن نستطيع خلق نوع القارئ الذي نريده لكل قصة".

وداعاً إيكو..

رابط مختصر:



مشاركة



شاركنا برأيك

اختيارات القرّاء