مع السّلامة

حنان فهد | الجمعة 14 آب 2015 | 0:8 صباحاً بتوقيت دمشق

مشاركة

تستيقظ من غفوتك المتكررة المبتورة، تجتاح مساماتك الرطوبة، تحاول أن تسرق بعضاً من طيش الهواء، لكن الهواء ينام مسترخياً على عتبات درجات الحرارة المتزايدة .. كل شيء يغتال النسيم و أنت أنت مازلت ترسم في الفراغ تلك اللوحة منذ الطفولة، بيت!

لا ...بل كوخ خشبي ونهر جاري ومرج أخضر، وجبالاً عالية، هي نفس الرسم الذي يعشقه كل الأطفال لكنهم يغيرون مفردات اللوحة عندما يكبرون.

لكنك متمسك بطفولتك، وهرم متخاذل مع الوقت .. تتوه في جدوى الأشياء، ولطالما تسأل عن كل فعل تقوم به مهما كان بسيطاً: هل هوصح؟.

الصباح ما زال باكراً، تعود لتلقط أنفاس نومك المضطرب، و أنت تحاول أن تكمل لوحتك الناقصة دوماً، لكن بعد قليل ستذهب لتودع أيهم، لا تعرف كيف سيغادرسوريا، لكنه مسافر.

تقوم مسرعاً إلى تلك الورقة الملصقة جانب سريرك و تضع إشارة على اسم أيهم، تشعر بالقشعريرة وأنت ترى تلك لورقة قد ملئت بالإشارات وأنت تعيش تحولاتك لوحدك، بعضهم مات وبعضهم أصبح لاجئاً أو نازحاً، ولكن أيهم كان يردد دوماً:( ماحدا على راسه خيمة) كل الطرق أصبحت تعرفها، بحر أرض جو، في كل منها ضاع لك رفيق.

ومازلت أنت ... أنت تقبض بأصابعك على فتات دهشة .. تركض إلى المرآة، ترى وجهك المتعب، الطفل الشقي يمسك بساقك ويهزها. 

يذكرك بكوخك، تقوم بحلاقة ذقنك التي طال شعرها، تبتسم بوجه المرآة مرة أخرى و أنت تسمع بياع البصل اليابس ينادي: بصل .. بصل سلموني يابصل، ع المونة يابصل وصوت سيارة الغاز وأغاني فيروز تدندن أنت لحناً آخر.

يبدأ تقنين الكهرباء، الماء مقطوع منذ ثلاثة أيام، و أنت تبتسم كأحمق في جنازة، وتتابع ارتداء ملابسك و أنت تتصبب عرقاً، بنطالك الجينز هذا ضاق عليك، منذ شهرين اشتريته سعيداً من البالة التي انتشرت في مدينتك منذ أربع سنوات. تنجح عملية إغلاق زر البنطال المنهك معك، نعم .. تعرف أن وزنك يزداد ولكنك تأكل، لا تعرف لماذا، لا تشعر بالطعم أو الرائحة وحتى اللمس.

منذ يومين عندما مسكت في يدك اليمنى تفاحة حمراء لم تشعر بشكلها، دائري ... مربع ... مستطيل .. مسطحة؟.. ترتدي قميصك الأصف، والحذاء الرياضي، الطريق طويل قليلاً تسمع صوت انفجار .. تتابع .. وصوت انفجار وآخر وآخر، يضج بيتك بالنائمين، تجلس على حرف السرير و تسمع صوت رسالة في موبايلك،هي من أيهم..

يقول لك: وداعاً صديقي .. أرجوك لا تأتي الإنفجارات هي بقربي و أنا مسافر فوراً، لا أريدك أن ترى كل هذا الدمار في هذا المكان الذي تحبه .. لا أريد أن أقتل الدهشة والطفل فيك .. دائماً وصل سلامي إلى البحر، و أنت .. أنت تكتب وأنت تبكي (مع السلامة).

مشهد متكرر بسيناريو مختلف، لم تتعود بعد أيها الشقي لحد الحلم، يعود وجهك متغضناً، تنظر من النافذة، الكل مازال مسرعاً في هذا الضجيج، الجميع يقتات بعض الحياة، كل بطريقته، عربات الخضار انتشرت، الجارة تسأل عن الحدث، وهي تلقي الملابس بعجلة على حبال الغسيل، وتعود مسرعة دون أن تسمع الجواب، المهم أنها تسأل..

ليس لديك رغبة في الإفطار ولن تستطيع أن تجلس على تلك الطاولة المستديرة للعائلة، تسير مرة  أخرى نحو تلك الورقة, تكمل وضع الإشارات على ماتبقى من أسماء الأصدقاء، ستغادر حتماً يوماً ماً ثم تقوم بتمزيق الورقة. وأنت تتلمسها، كانت يداك تتألم، أطراف أصابعك مكلومة، ياالله ... لقد عادت حاسة اللمس بسبب ورقة!

و أنت لاتريد ..ترسم مرة أخرى في فراغك الضيق لوحتك المفضلة يعلو الضجيج حولك لكن أنت تسقط في حضن الصمت.

 

اقرأ أيضاً لنفس الكاتب:

دوّار الزراعة في اللاذقية يحرثُ عُريهُ باللافتات بعد الصرخة البكر

خذلتني الجهات فما عادت يداي مبسوطتين للريح

كيف للحروف أن تصبح سيوفاً

قدرنا أن ننتظر على قارعة العمل و العمل و العمل

رابط مختصر:



مشاركة



شاركنا برأيك

اختيارات القرّاء