مشاهد هولندية .. عن الجنسية وأزمة الهوية

| الجمعة 1 آيار 2020 | 12:32 صباحاً بتوقيت دمشق

مشاركة

مضى على وجودي في هولاندا ست سنوات بالتمام والكمال. وكأي سوري آخر فإن الجنسية الهولندية المستحقة قريبا ستكون مفتاحي الذي سيخرجني من السجن العالمي الذي وضعنا فيه كسوريين لعشرات السنين بسبب موقع صانعي القرار في سوريا من الصراعات الاقليمية والدولية وطبيعة تحالفاتهم مع دول وأحزاب وحركات تعتبر محورا للشر في نظر الكثير من الدول القوية والمتقدمة.

ومع أن جميع الموافقات لحصولي على الجنسية قد تمت ولم يبق إلا الاحتفال بتسلمها في مبنى البلدية من يد العمدة فإن موسم الكورونا قد أخر جميع الاحتفالات ما أتاح لي المزيد من الوقت للتأمل بعالمي الداخلي ومحاولة فهم شعوري بالقلق من التغير المتسارع في هويتي الجديدة التي أكاد أكتسب شرعيتها وهي الانتماء للمجتمع الهولندي المختلف بدرجة كبيرة عما ألفناه وتعودناه في مجتمعنا السوري.

تأملت في هويتي السورية والمدن التي أعرفها جيدا ووجوه أحبتي وأقربائي وأصدقائي هناك.
البشرة الحنطية لأهلها وعيونهم البنية والقامة القصيرة وجمال الفتيات والطقس الجاف والحار وأصناف الطعام المعتمد كثيرا على الخضار والخبز وزيت الزيتون.

تفكرت في تراثها الغنائي المنوع ومسلسلاتها الشيقة والتجارية وصوت الآذان في جوامعها وقرع نواقيس كنائسها وآثارها الغنية بالقلاع والمدن والمخطوطات القديمة.

تمعنت في الأديان المنوعة التي نشأت بها وعاشت في كنفها، السماوية منها والقديمة المتسربة من التاريخ والباقية في تراثنا وعاداتنا وتقاليدنا.

فكرت بقضاياها السياسية التحررية وبالعيون القليلة التي قاومت طويلا المخرز القمعي والمخلب الطائفي والفساد المستشري وتسطيح الوعي والفقر اللئيم.

هل من المعقول أن تقلب وثيقة ورقية جديدة بحجم دفتر ملاحظات كل هذا الانتماء؟ هل أستحق لقب الخائن لحبيبته وهل أنا أخونها فعلا؟
هل سأنسى كل شيئ ويصبح انتمائي للغابات المطيرة في هولندا والبيوت المصنوعة من الطوب والقرميد ذات السقوف المتعامدة والجدران متفاوتة الارتفاع، وإلى بردها الأوروبي القارس والعيون الزرقاء لرجالها ونسائها وأطفالها وماكينة العمل الطاحنة فيها والنظام الرتيب والتواتر الكبير لحرف الخاء الذي يميز الهولاندية كما الضاد في اللغة العربية؟

لم يقطع تفكيري سوى جرس صديق هولندي عزيز أوصل لي زجاجة خمر برتقالية أرسلها أحد نوادي النخبة لخدمة المجتمع تكرم بمنحي عضويته منذ سنوات وعليه بطاقة تهنئة بمناسبة عيد الملك إضافة لعدد آخر من بطاقات المعايدة كانت في صندوق البريد.

اللون البرتقالي في هولندا هو اللون الوطني وهو مشتق من كلمة أورانج اللاتينية وتعني البرتقالة ويلبس بكثافة في عيد الملك وغيره من الأعياد الوطنية.

بالطبع الملك لا يحكم في هولندا وهو موجود فقط للنواحي الاستعراضية الفولوكلورية ولتشجيع المجتمع على الالتزام باحترام القانون وعمل الخير والاهتمام بالصحة والرياضة والنشاطات المفيدة ومؤخرا سمعت أنه يعمل بالسر معاون طيار لأنه يحترم العمل رغم انه ولد وفي فمه ملعقة من الذهب كما يقول المثل العربي.

ملكنا الذي لا يحكم اسمه "فيلم أورانيا " وتعني: وليم برتقالة لأن حرف الواو في وليم تقلب بالهولاندية الى حرف ف كما في كلمة فيينا أما أورانيا فتعني هنا البرتقال وفي المعجم الوسيط تعني مادة خاصة تستخدم للبناء كما أن أورانيا حسب ويكيبيديا هو اسم لربة من ربات الإلهام التسعة في الاسطورة الاغريقية.

كم هو جميل اسم ملكنا الذي لا يحكم وكم هو واسمه مختلفان عما عرفناه من ملوك ورؤساء أضاعوا بلادهم في عالمنا العربي المضطرب.

الصورة من شباك مطبخنا وتظهر فيها زجاجة المنكر البرتقالية وكروت التهنئة وكالعادة تظهر قطتنا المدللة "بيسي" المرتاحة من صراع الهويات فهي تعرف أنها من نسل النمور الفتاكة ولكنها تحيونت كي لا أقول تأنست فعالم الحيوان بات أرحم من عالم الإنسان.

المصدر: سليم بشارة طبيب سوري مقيم في هولندا

رابط مختصر:



مشاركة



شاركنا برأيك

اختيارات القرّاء