محاكم الحاكم العرفي

راتب شعبو | الأربعاء 17 حزيران 2015 | 11:12 مساءً بتوقيت دمشق

مشاركة

من يقرأ مضمون إعلان حالة الطوارئ والأحكام العرفية في سوريا، سوف يشعر أنه أمام مستحاثة قانونية، ولكنه سوف يشعر بالقشعريرة حين يعلم أن هذه المستحاثة على قيد الحياة وتتحكم بحياته. 

فللحاكم العرفي أن يسجن أي شخص ودون توجيه تهمة ولأمد غير محدود بمجرد أن يرى أنه يشكل خطراً على أمن الدولة. لا يوجد أي قيد يحد من سلطات الحاكم العرفي. وإذا كان يمكن قبول هذا الأمر لفترة محدودة وفي حالات محددة، فإنه يصبح واقعاً غرائبياً حين نعلم أنه الحال الذي نعيشه في سوريا منذ نيسان 1963.

والبديهي أن أمن الدولة، كما يفهمه أبطال الأحكام العرفية الأبدية، لا يتهدد بالمرتشين والناهبين والمحتالين وآكلي حقوق الناس والمجرمين، بل يتهدد بمن يعبرون عن رأيهم أو ينتظمون في حزب غير موال محاولين نقل التنوع السياسي الطبيعي في المجتمع إلى مستوى صنع القرار كما يفترض أن يكون عليه الأمر، هؤلاء هم من يهددون أمن الدولة وهؤلاء هم المعنيون أولاً وأخيراً بفرض الأحكام العرفية ولا أحد غيرهم.

"الاسم المتعارف عليه للسجناء السياسيين في سوريا هو "الموقوفون العرفيون"، نسبة إلى الأحكام العرفية التي صنعت من أجلهم فقط لحماية السلطة وليس لحماية المجتمع"

الاسم المتعارف عليه للسجناء السياسيين في سوريا هو "الموقوفون العرفيون"، نسبة إلى الأحكام العرفية التي صنعت من أجلهم فقط لحماية السلطة وليس لحماية المجتمع. كان هؤلاء السجناء متروكين لمزاج الحاكم العرفي الذي كان يمتلك وحده معجزة أن يهب الحياة للذين في السجون، بإعفاءات "أبوية" في مناسبات تخصه. 

وكانت منظمات حقوق الإنسان الغربية حين تتحدث عن المعتقلين السوريين تبدي استنكارها لحقيقة أن هؤلاء يقضون سنوات طويلة في السجن "دون توجيه أي تهمة لهم"، وتطالب بالإفراج عن المعتقلين أو تقديمهم إلى المحاكم. لا تلام هذه المنظمات لأنها تظن أنها تتكلم عن نظام فيه فصل للسلطات حيث المحكمة ليست ديكوراً قضائياً لفروع الأمن. كي يرتاح من نقّ هذه المنظمات قرر نظام الأسد أن يحاكم الموقوفين العرفيين. لا مشكلة لديه. فعل ذلك وكان أن نزلت مطالبة منظمات حقوق الإنسان وبالاً على الموقوفين الذين تمنوا لو استمر التوقيف العرفي. 

هناك محكمة استثنائية اسمها "محكمة أمن الدولة العليا"، يختارون لك تهمة من قانون العقوبات، يصدرون عليك الحكم بعد أن تمر بكل مراحل التقاضي "القانونية". محامي الدفاع لا حول له ولا قوة، يقف لتكتمل أركان الجريمة أقصد المحكمة. الحكم يصدره ضابط مخابرات وينطقه قاض، الحكم مبرم لا رد له، سنة السجن لا يمكن أن تكون أقل من 12 شهراً، وليس 9 أشهر كما يمكن أن تكون في القضاء العادي استناداً إلى سيرة السجين في السجن ..الخ.

يكمل الموقوفون العرفيون سنواتهم في السجن، ولكن بعد أن صار اسمهم "مجرمين" على اعتبار أن المحكمة قضت بإجرامهم. هناك من قال بعد ذلك: لا بأس، على الأقل بات السجين يعرف متى يفرج عنه. ولكن لنظام الأسد قول آخر: انتهاء فترة حكمك، لا تعني الإفراج عنك. هناك في "قانون" الاستعباد الأسدي شيء اسمه الاحتفاظ الذي لا تنتهي مدته إلا بعفو يعقبه أن يوقع السجين على الشروط الثلاثة الخالدة كرسالة البعث: أن تنسحب من الحزب الذي اتهمك به، أن تتعهد بعدم العمل في السياسة، أن تتعهد بمراجعة فروع الأمن في منطقتك وإخبارهم بكل ما ترى. لا المحكمة ولا قضاء الحكم يلغيان استمرار سجنك، كما لا يلغيان التوقيع على الشروط الخالدة. 

كما أن السجين في سجن تدمر السيء الذكر يريد أن تبقى الأبواب مغلقة لأن التنفس (الذي يفترض أنه مكسب للسجين) يعني شتى أصناف الإذلال والتعذيب، كذلك "الموقوف العرفي" في سوريا الأسد لا يريد تحويله إلى المحكمة (التي يفترض أنها وسيلة العدالة) لأنها تعني زيادة في ظلمه، فهي أولاً لا تفرج عنه، بل تدينه كي يستمر سجنه تحت اسم "مجرم"، وحين يخرج من السجن يجد نفسه مجرداً من حقوقه المدنية "قانونيا". 

هكذا تتحول المحكمة على يد النظام الأسدي وأشباهه إلى وسيلة قمع إضافية أشد هولاً من غيابها، تماماً كما يتحول الدين على يد جماعة "السلفية الجهادية" إلى وسيلة لتسويغ شتى صنوف الاستعباد.

رابط مختصر:



مشاركة



شاركنا برأيك

اختيارات القرّاء