لمطرٍ آخر

حنان فهد | الجمعة 18 آذار 2016 | 9:47 مساءً بتوقيت دمشق

مشاركة

وكأنني أستسلم وأنا أسير على تلك الأرض المنزوعة الأ مل، أرفع الراية البيضاء حيناً و أرتديها وشاحاً أحياناً، و في لحظات قوة تباغتني يدي اليمنى وهي تضع راية استسلامي في جيب معطف الزمن .. مازال الخوف ينتابك مثل طعنة سكين بلاستكية ويمنعك أن ترميها.

أساتذتك ومعلماتك لطالما قالوا لك: "كوني كما أنت"، وما زلت تبحثين عن هذه الـ أنت.

تغرقك التفاصيل وتبقى بعض الأمنيات المجهضة ندبةً في الذاكرة، فأمنياتك بسيطة لكنك لم تتعلمي بعد أن تكوني أنت، ومازلت ترددين بطفولة: "سأقسو ولبيك يا أنا ... لبيك يا أنا".

بين أكوام كتبك ومكتبتك وملابسك الملونة بالشغب تجلسين، يعلو صوت موسيقاك، لتبدأي بطلاء أظافرك، ثم تمشين حافية القدمين في زوايا بيتي. وأنا أحاول أن أصل إلى تلك الطفلة التي تشاغبني وتقول لي أنني خذلتها كثيراً، ثم تضحك مني لأنني لم أجدها رغم أنها لاتقف عن إشاراتها المجبولة بالنور.

تأخذ أحلامي الكلمات من تحت جلد العمر وتختزله شعراً يتطاير في الدماء ويمضي حرقة في الجسد، ومازالت ساقية للماء تقبل شفتي شظفي، وتعلق اللهفة ساعة انتظار على جدران ذاكرتي، وأنا أجدل شعر الحلم و أضع حناء الأمنيات الضائعة على كفي القصيدة المبهمة لعلها تفصح عن مكان اللوعة، لعلها ترتكب الخطيئة الكونية وتسرد حكاية الانكسار الأول حين لم تجد الأزقة والساحات الصغيرة سوى زواياها لكي تخبئ لون الدموع ثم تقتفي أثر الخطوات البائسة.

عيناي تحاوران جدراناً صمتت دهراً، والغائبون غائبون، لاجدوى من البوح في فراغ يتجلد بالفراغ

وأمسك بحافة الكأس المثلومة ثم أجرح الكلمات لعلها تغسل بالدماء لون الرماد وتحيل السكون إلى زلزلة في المياه الآسنة وعيناي تحاوران جدراناً صمتت دهراً، والغائبون غائبون، لاجدوى من البوح في فراغ يتجلد بالفراغ. وطفلة روحي تتشظى وأحاورها، لكنها قديسة تخبئ بوحها في معطف الصمت وتستمرئ المثول أمامي وكأنها الأمنية البعيدة، لاتقارب لوعتي إلا برماد المراحل وآخر الحلقات المفقودة.

أسوّر معصمي بلوعة تنتابني وأنا أمرر طفولتي على صفحة القلب، وأسرق من قلبي بعض النبضات لعلها ترجف خدي شغفي احتساباً، و أسرد جملة التفاصيل في ساعة التوحد.

لا شيء لدي سواك وسواك عدم، حين لا تكون. وطفلة روحي ابتسامة على شفتي بحر يتهجى أسماء أسماكه التي غادرت والتي لا زالت تتنفس لوعة الحرمان.

لا تبدو الكتابة عن أناي الطفلة ترفاً، لا تبدو إلا مساحة للاحتراق واحتراق العذابات اللذيذة وكأنها كائن يتحرك تحت الجلد ويفري الروح بإبرة الآلام المؤجلة، وأشياء أخرى تهيم في الرأس كأنها السائل المائي يعقم الذاكرة.

مازالت الطفلة تمنحني هذه الجذوة فأحمل ناري نحوها، أحملها ناراً لا تبرد الطفلة في جسدي، والشاطئ الأغر يسكب جم الدهشة ويحرك الكامن بلا هوادة. نسل الأشياء في أعماقي لا يتشابه لكنه يتحاذب ويسكر بعضه بعضاً حتى ثمل الماء من ربقة الانتظار وحتى تستنير الشرايين بعودة خطوات الدماء وتستفيق جدران أوردة اللهفة من سباتها.

تبدو الكلمات شظايا تفتك بالقلب ولا يتكسر ويبدو القلب وعاء يحوي الجمرات ولا يحترق، المطر الغزير في الخارج يودع آخر أيام الشتاء ويوقظني من تجلياتي لأدخل في متاهة أخرى من أوسع أبوابها.

تنتظرني محكمة اليوم وقرارات مصيرية و شهود و التزامات مادية، وهل تستطيع طفلة روحي أن تقوم بأعباء المرحلة؟. أضحك وأنا أشاكسني، أضع أصبعي على رماد المراحل ثم أفرك جفني الطفلة، أجدها تحرك رموش الماء و تغسل التراب بالعرق، تنجب ألقها وتقلقني كثيراً، و نحوي تصب جام حرقتها..
وأقول: يا هذه، لماذا الألق والماء ينبت أشجاره والملح دواء الأدواء؟
وأقول: لماذا يا أنت التي جاورت الماء زمناً لا تغدقين قليلاً من زرقة الألوان كي لا أضيع في غابة الوحشة و التوحش؟

ولا أسمع غير صدى الاسئلة ضحكة وبسمة السماء مطراً..

في الطريق إلى المحكمة، أشعر بالحرية، الطفلة لا تستطيع أن تشاكسني، أسرع فرحةً، أنسى كل شيء، المطر الناعم رفيقي، لا أحب أن أحمل مظلة ولا أرتدي قبعة، يبدأ شعري يتبلل بالمطر، يتسلل الماء إلى ملابسي، خطوات عن المحكمة، الراية البيضاء مازالت ترفرف في تلك الساحات المنزوعة الأمل والعمل، المطر يصبح غزيراً.

يشتد إغراء الدهشة البكر، صوت المطر، رائحة الأرض، وداع الشتاء، تراتيل الذاكرة، كل شيء كان يدفعني و أنا أمام باب المحكمة لأتصل بمحاميتي وأقول: أنا هنا قربك لكن لن أحضر، أريد أن أمشي تحت المطر، الآن ... الآن.

أغلقت الاتصال، ورميت تلك الراية، ضحكت الطفلة، ركضت على تلك الأرض المنزوعة، زرعتها بموسيقا خطواتي، كان الكحل يسيل على خدي، و أنا اردد: "يامطر ياعاصي طول شعر راسي، راسي بالمدينة ياكل خبز وتيني".

بكت الطفلة، وردت تلك الملوحة شفتي، أصبح بيني وبين المطر دمع، وملح و بقايا أمل
ابتسم التراب بعبق، وحده يعرف الحكاية..

رابط مختصر:



مشاركة



شاركنا برأيك

اختيارات القرّاء