كيف تكتب؟ .. "وليم زنسر" يكتب عن سرِّ الكتابة الجيِّدة

أحمد العقدة | الخميس 24 كانون الأول 2015 | 5:4 مساءً بتوقيت دمشق

مشاركة
سر الكتابة الجيدة هو أن نجرد كل جملة حتى نصل إلى أنظف أجزائها.

الفوضى هي داء الكتابة الأمريكية. نحن مجتمع مختنق بكلمات غير ضرورية، وإنشاءٌ يلف ويدور، وكشكشة رنانة، ومصطلحات لا معنى لها.

من يستطيع أن يفهم اللغة المستخدمة كل يوم في التجارة الأمريكية: كالمذكرة، وتقرير الشركة، وخطاب العمل، وإشعار يشرح أحدث كشف حساب “مبسط” من المصرف؟ مَن مِن أعضاء التأمين أو البرنامج الطبي يستطيع حل شفرة الكتيب الذي يشرح التكاليف والفوائد؟ ماذا يستطيع الأب والأم أن يستخلصوا من تعليمات لعبة طفلهم على العلبة؟ لدينا نزعة وطنية بالتكلف في الكتابة لكي يبدو ما كتبناه مهما. لذا كابتن الطائرة الذي يعلن أنه يتوقع أن نشهد هطولًا غزيرًا للأمطار لن يفكر بقول إنها قد تمطر. الجملة بسيطة للغاية ــ لابد أن ثمة خطأً ما.

لكن سر الكتابة الجيدة هو أن نجرد كل جملة حتى نصل إلى أنظف أجزائها. فأي كلمة ليس لها دور، أو كلمة طويلة بإمكاننا أن نستبدلها بقصيرة، أو حال يعني مثل ما يعني الفعل، أو مبني للمجهول يترك القارئ في حيره من أمره ــ هذه هي المُعكرات الألف وواحد التي تضعف من قوة الجملة. وهي غالبًا ما تحدث بما يتناسب مع المرحلة التعليمية.

كتب مدير جامعتي في الستينات خطابًا ليهدئ الخريجين بعد فترة من البلبلة في الحرم الجامعي. “أنتم على الأرجح مدركون،” هكذا ابتدأ المدير، “أننا واجهنا الكثير من ردود الفعل التي قد تكون انفعالية بعض الشيء عن عدم الرضا على مسائل ليست مرتبطة سوى ارتباطًا طفيفًا.” كان يقصد أن الطلاب يتشاحنون معهم في عدة مواضيع. كنت مستاء من إنجليزية المدير أكثر من ردود فعل الطلاب التي قد تكون انفعالية بعض الشيء عن عدم الرضا. كنت أفضل أن يقوم فرانكلين دي روزفلت بدلا منه بالأسلوب الإداري عندما حاول أن ينقل مذكراته الحكومية إلى الإنجليزية، كأمر قطع الكهرباء مثلا في عام 1942:

“مثل هذه التحضيرات يجب أن تؤدى لكي تحجب الرؤية تمامًا عن كل المباني الفدرالية والمباني غير الفدرالية التي احتلتها الحكومة الفدرالية خلال الغارة الجوية لأي مدة زمنية مطلوبة بموجب الإضاءة الداخلية أو الخارجية”.

 قال روزفلت: “أخبرهم أن يضعوا شيئًا على النوافذ في المباني التي يعملون بها.”

 بسِّط.. بسِّط. قالها ثورو، كما ينصحوننا دائمًا. لكن لا يوجد كاتب أمريكي واحد يمارس باستمرار ما يدعوا إليه. افتح أي صفحة من كتاب “والدن” وسوف تجد شخصًا يقول ما يدور في رأسه بوضوح وترتيب:

“ذهبت إلى الغابات لأنني تمنيت أن أعيش بتروٍّ، ولأُجابه فقط الحقائق المهمة في الحياة، وأرى إن لم أكن استطعت التعلم ماذا ستعلمني الغابات، وحتى لا أكتشف عندما أكون على وشك الموت، أنني لم أعِش”.

كيف يمكن للبقية منا أن يتحرروا من الفوضى اللغوية تحررًا يغبطون عليه؟ الجواب هو أن نصفي رؤوسنا من هذه الفوضى. التفكير الصافي يؤدي إلى الكتابة الصافية. شيئان لا ينفصلان. من المستحيل أن يكتب ذو التفكير المشوش بإنجليزية جيدة. وقد ينجح لبضع أسطر، ولكن حالما يتسبب في تيهان القارئ. ولا يوجد ذنب أكبر من ذلك لأنه من الصعب إغواء القارئ للعودة مرة أخرى.

 من هذا المخلوق المراوغ، أهو القارئ؟ القارئ هو شخص ذو قوة انتباه تصل إلى 30 ثانية ــ هو شخص تهاجمه عدة قوى تتنافس حتى تحظى بانتباهه. في فترة من الزمان كانت هذه القوى قليلة نسبيًّا: صحف، ومجلات، ومذياع، وزوجة، وأطفال، وحيوانات أليفة. اليوم هي تشمل العديد من الأجهزة الالكترونية للتسلية وللمعلومات ــ التلفاز، أجهزة الفيديو، وأقراص الفيديو الرقمية DVD، والأقراص المدمجة، وألعاب الفيديو، والإنترنت، والبريد الإلكتروني، والجوالات، والبلاكبيري، ومشغلات الموسيقى ــ إضافة إلى برامج اللياقة البدنية، وحوض السباحة، والحديقة، ثمَّ أكثر المنافسين فاعلية؛ النوم. إن المرأة أو الرجل الذي يغفوا على الكرسي ممسكًا بمجلة أو كتاب هو شخص ألقى عليه الكاتب الكثير من المتاعب التي لا لزوم لها.

 
التفكير الصافي يؤدي إلى الكتابة الصافية


لن ينفع أن نقول إن القارئ مغفل جدًّا أو كسول جدًّا لأنه لم يستطع أن يتماشى مع حبل الأفكار. إذا ضاع القارئ فذلك غالبًا لأن الكاتب لم يكن يقظًا بما فيه الكفاية. تأخذ هذه اللامبالاة عدة أشكال: قد تكون الجملة فوضوية جدًّا لدرجة أن القارئ يخترق هذا الحشو من الكلام غير مدرك ماذا يعني. أو قد يكون تركيب الجملة رديئًا لدرجة أن القارئ يقرأها على عدة أوجه. أو قد يبدل الكاتب الضمائر في منتصف الجملة، أو تصريف الأفعال، وبالتالي لم يعد القارئ يدري من الذي يتحدث ومتى وقعت الأحداث. قد لا ترتبط جملة (ب) منطقيًّا بجملة (أ)، لأن الكاتب، والذي يكون الترابط في رأسه واضح، لم يكلف نفسه عناء توفير الحلقة المفقودة. أو ربما استخدم الكاتب كلمة استخدامًا خاطئًا لأنه لم يتكبد عناء البحث عن معناها في القاموس.

 عندما يواجه القراء مثل هذه العقبات يصبحون عنيدين في البداية. فهم يلومون أنفسهم ــ لابد أنهم غفوا عن شيء ما، ويعودون لقراءة الجملة المثيرة للحيرة، أو لكل الصفحة، فيركبها كالأحرف الرونية القديمة.. يخمن ثم يمضي. ولكنهم لن يفعلوا ذلك طويلًا. فالكاتب جعلهم يقرؤون بمشقة هائلة لذا سيبحثون عن أحدٍ أفضل في هذه الصنعة.

 ولذلك على الكتّاب أن يسألوا أنفسهم باستمرار: ما الذي أحاول قوله؟ الغريب أنهم غالبًا لا يعلمون. يجب بعدئذ أن يعودوا إلى ما كتبوه ويسألوا أنفسهم: هل قلته فعلًا؟ هل هو واضح لشخص يقرأ عن هذا الموضوع لأول مرة في حياته؟ إن لم يكن كذلك، فلابد أن بعض الضباب قد شق طريقه نحو كتابته. الكاتب الواضح ذو الذهن المنظم يرى هذه الأمور على حقيقتها: كالضباب.

 أنا لا أعني أن بعض الناس يولدون هكذا بذهن منظم وبالتالي هم كتاب بالفطرة، والآخرون مشوشون بطبيعتهم وليس بإمكانهم إطلاقًا الكتابة جيدًا. فالتفكير بوضوح هو عمل واع يجب على الكتاب أن يجبروا أنفسهم على فعله، وكأنهم يعملون على أي مشروع آخر يتطلب المنطق: ككتابة قائمة المشتريات أو حل مسألة رياضيات.

 الكتابة الجيدة لا تأتي بالفطرة، على الرغم أن غالبية الناس تظن ذلك. فالناس الذين يقولون أنهم يودون “أن يجربوا الكاتبة بعض الأحيان” يمثلون تحديًا للكتاب المحترفين ــ فهم يقصدون ذلك عندما يتقاعدون من مهنتهم الأساسية، كالتأمينات أو العقارات، مهن صعبة بطبيعة الحال. أو يقولون: “أنا أستطيع أن أؤلف كتابًا عن ذلك”. أشك في هذا.

الكتابة عمل شاق. الجملة الواضحة ليست واضحة بمحض الصدفة. القليل جدًا من الجمل التي تأتي صائبة من المرة الأولى، أو المرة الثالثة. تذكر هذا إذا أُحبطت. إذا وجدت أن الكتابة صعبة، فذلك لأنها صعبة.

 

رابط مختصر:



مشاركة



شاركنا برأيك

اختيارات القرّاء