كمّون وملح

أحمد العقدة | الخميس 17 آذار 2016 | 9:13 مساءً بتوقيت دمشق

مشاركة

ارتبطت رائحة الكمون عندي بالطفولة المبكرة، وذكريات الدراسة الابتدائية.. كنا خمسةَ إخوة، من أصل عشرة، نتجهّز ونتوجه سويةً إلى المدرسة، وكان الزيت والزعتر مع الشاي فطورنا اليومي.

1993

في تسعينيات القرن الماضي، كان والدي موظفاً، حين كانت الوظيفة تُتبع بعبارة "الشغل مو عيب" .. نظراً لسوء حال الموظفين ورواتبهم "الُفتات". لم تكن المائدة تحتوي على خيارات، لكني كنتُ أرفضُ الزيت والزعتر اليومي، ليسَ تكبراً ولا تمرداً.. لكن ربما لأني أجهل مكوّنات الزعتر.

كان الحل الواضح  هو "الكمّون" .. لطالما أحببتُ رائحتهُ، خاصةً أن أمي تأتي به "صْحاح" من القرية، وتدقهُ على يدها بـ"الهَوَن". ولأنه مُرٌّ لوحده، كانت أمي تضيفُ إلى "الصندويشة" بعضاً من الملح.

وهكذا تصطفُ على "السفرة المصنوعة من البافون" صباح كل يوم، أربعةُ خبزات كبيرة، تدهنها أمي بـ"الزيت و الزعتر"، إلا خبزةً واحدةً "كمون وملح" لي.

يذكرني الكمّون برائحة البنزين الصادرة عن "الموتورات" (الدراجات النارية بعجلتين أو ثلاث عجلات) في القرية. فالرائحة "تشق الرأس" كما تقولُ أمي!

حينَ سمعتُ تلك العبارة أخافتني في أول مرة، وتخيّلت رجلاً مشقوق الرأس، ثم وجدتني مع الزمن أألفُ وأحفظُ وأردّد عبارات أمي الأمية، لما فيها من إيجاز وإعجاز أحياناً. بالمناسبة كلمة "صْحَاحْ" بتسكين الصاد، من أمّي أيضاً.

2000

في الإعدادية، بدأت علاقتي مع الكمون والملح تتراجع، كان من المخجل أن تصطحب معكَ عروسة "كمون وملح" إلى مدرستك الإعدادية في وسط البلد.. زُملائي "المسيحيين" في الصف كانوا يصطحبونَ معهم "صندويشات" ملفوفة بكيس أبيض أنيق، لم أكن أعرفُ مابداخلها، لكن الجميع كان يضحك عليهم!

كنتُ استقلُ "السرفيس" من أمام بيتنا إلى المدرسة، عند جامع التوحيد المبني بين أربعة كنائس .. كانوا يسمونهُ "جامع الجكارة" .. عرفتُ لاحقاً لمَ .. كما عرفتُ بعد ثلاثة سنوات مابداخل الصندويشة الأنيقة .. لافاش كيري!

كانت تسعيرة السرفيس وقتها 4 ليرات .. وكنّا وأخي، آخر المتبقين على مقاعد الدراسة من الإخوة العشرة الذين دخلوا مُعترك العمل وتركوا مقاعد الدراسة مبكراً، نتقاسمُ مابقيَ من "الليرات العشر" اليومية المرصودة لكلّ واحدٍ منا .. نشتري "بونجوسة" و "كعك" في الفرصة، من آذن المدرسة "أبو علي".

2010

في جامعة دمشق .. لم يصل إلى ذلك أحد .. آخرُ الإخوة المتبقين تركَ دراستهُ في العام التالي من الإعدادية، ليعملَ في معملٍ ضخم بقرية "حيّان" على طريق حلب - غازي عنتاب، الذي أصبحَ مكتظاً بالمولات الكبيرة خلال  سنوات قليلة!.

في زياراتي القليلة إلى حلب في تلك الفترة، عزمني أحد إخوتي على الفطور، كانت جميع أنواع الجبنة المعلبة موجودة، وجميع انواع المرتديلا في السوق .. سألتهُ لمَ؟ قالَ أنها عروض من "المولات"!

كانوا يدفعونَ المرء لشراء أشياء بنكهات مزيفة، لايحتاجونها حقيقةً تحتَ مسمى "العروض".

صباحاً، في مقاصف الجامعة (مقاهي أو ندوات) لن تجدَ إلّا "الكابتشينو" و "الميلو" و "النسكافة".. كان "الشاي الأحمر" خياري المفضّل. أما الفطور الصباحي في مقصف الصحافة، فكان أكلةً وحيدةً نسيتُ اسمها، مكوناتها "جبنة ومرتديلا" توضع في خبزة رقيقة صغيرة الحجم على الصاج. كنتُ أحبُ رائحة المرتديلا داخلها، ففيها رائحة مزيفة تُذكرني بالكمّون.

كنتُ أتخيلُ منظرَ أمي لو رأتني آكل تلك الصندويشة الرقيقة! .. كانت ستضحكُ عليّ مقارنةً بصندويشة الكمون والملح الضخمة .. ربما تبكي، إن عرفت سعرها!.

أما في المدينة الجامعية، كانَ هناك مطعمٌ وحيد أول مجيئي إليها، يبيع "الفلافل" و "البطاطا" .. ويمكنك ان تطلبَ صندويشة "أغلى" فيها كلا المكونين.. بعدَ عامين افتتح مستثمر مقرّب من أمن الجامعة، مطعماً جديداً يحوي كل المأكولات "الغربية" من "الفاهيتا" مرورواً بـ "الكريسبي" و"الهمبرغر" و"البروستد" .. الخ.

لم أكن أميّز بينها .. جميعها نفس الطعم والرائحة .. مع ذلك كنتُ أفضل "الكريسبي" فيها رائحة مزيفة أيضاً تُشبه "الكمون" .. قيل لي أنها "خلطة كاري مع توابل أخرى".

2016

كنتُ قد جُبتُ بلاداً كثيرة، وتعرّفتُ، مجبراً، على أطعمةٍ كثيرة، آكلها بما يسد الرمق على عجل، دونَ اسمٍ أو طعمٍ أو رائحة .. وكنتُ أحرصُ مع كل بلدٍ جديد وفي كل مدينةٍ جديدة أن اقتني "زيتاً وكموناً" سورياً في المنزل، احتفظُ بهِ لساعات الجوع المفاجئ ليلاً عادةً.

رابط مختصر:



مشاركة



شاركنا برأيك

اختيارات القرّاء