كل ماهو حياة هو مجرد جزء.. لقاء مع فرانز كافكا

حنان فهد | الأربعاء 19 آب 2015 | 0:23 صباحاً بتوقيت دمشق

مشاركة

" كل ماهو حياة هو مجرد جزء"

كان ذلك ذات مساء من اماسي الشتاء في براغ، قبل عامين او ثلاثة اعوام من وفاته. في قاعة صغيرة في مركز المدينة قامت زوجة رودولف فوكس بالقاء مقاطع من اعمال زوجها و اعمال شعراء شبان المان من براغ : اوتو بيك، فرانز فرفل، أرنست فايس، فرانز كافكا، هي قصة الوقاد. و قد اثرت في واقعيتها الرمزية و اثارت فضولي في آن. 

و في نهاية الامسية - كان عدد الحاضرين لا يزيد عن خمسين شخصا تقريبا - قدمني اوتو بيك الى فرانز كافكا. ما من صورة من صوره تعكس السحر المتواضع الذي ينبعث من هذا الرجل. كان طويل القامة ، رشيقا، ذا شعر غامق، يرتدي ملابس في غاية الاناقة، و كان يعطي انطباعا رياضيا. انني اتذكر عينين غامقتين كانتا تتالقان من وجه شاحب على نحو اعتقدت معه انني ارى فيهما لالئ ذهبية تتراقص. و صوته الذي بدا خافتا اصبح خلال الحديث اكثر حيوية، اصبح دافئا، جهوريا و حيا. 

و تبعنا مجموعة الكتاب التي ترافق السيدة فوكس. و في الشارع المظلم سرت و كافكا الى جانب بعضنا بعضا. و تحدثنا عن قصائد ردودولف فوكس التي كانت ابعد ما تكون عن ان تلقى التقدير الذي تستحقه. و تجنبت ان اتحدث مع كافكا عن شعره او عن القصة التي كنت قد قراتها لتوي. و ذلك ربما لانني كنت اتمنى ان تؤدي قوة الدفع التي كنا نتحرك بها نحو بعضنا بعضا الى تفاهم يدوم. و عبثا ابحث في ذاكرتي عن الكلمات التي تبادلناها طوال ربما عشر دقائق. لكنني ما زلت ارى امامي هيئته المنحية الي قليلا، و المصابيح الملونة في ميدان فنتسل. 

و توقفت المجموعة كي تنتظرنا. فقد كنا تأخرنا دون ان ندري. و تطلعت بضعة ازواج من العيون الى كافكا ، مستعدة لقول الى اللقاء. و امام باب مقهى اديسون سال اوتو بيك : (( هل تاتي ، كافكا؟ )) لكن كان في مقدور المرء ان يفهم من نبرة صوته، انه سال لمجرد المجاملة. و توجه كافكا الي بتعبير وجه متسائل. 

و اذا اجبت بالإيجاب ، اعطى اشارة بذقنه: سنتبعكم ! 

في المقهى جلس كاتب القلعة الى جانبي، و رغم الضجيج استطعنا مواصلة حديثنا دون ان نهتم كثيرا بالآخرين. و اذ عبر باشارة من يديه دقيقة القسمات تذكرت فجاة ان كافكا كان قبل فترة وجيزة قد عمل في مشتل زراعي لدى بستاني تشيكي، و تخيلته في المكان المناسب له في الحقيقة : في وسط الاقحوان و الداليا التي ينحني فيها في عناية و حب. 

في هذه اللحظة قلت له انني قرات الوقاد، و اعلمته اعجابي و انا في حيرة. و اضفت قائلا كم يروق لي شعور الوحدة و الخواء الذي ينبعث من قصته و يقارب شعور اللامعقول. ولانه استمع الي بانتباه و رايت في نظراته بريقا متالقا ذهبيا، سالته : (( هل الوقاد هي مجرد جزء فعلا؟ الن يعثر الشخص الرئيسي للقصة على سبب عزلته؟ ))

و دون ان نكون قد لاحظنا الامر، كان عدد من مرافقينا قد استمعو الى حديثنا. و كانت زوجة ((شويعر)) قد جلست الى جانب كافكا، و دون ان تنتظر جوابه، صرخت في وجهي انني اسات فهم القصة التي تتصف بدايتها و نهايتها بالكمال. و انخفضت اجفان عيني كافكا المحاطة باهداب سوداء و اخفت الوميض الساطع الذي توهج في عينيه فجاة. و على ثغرة ارتسمت ابتسامة مشرقة فيها دعابة و ظرف. و في هذه اللحظة فقط لاحظت ان عينيه السوداوين انما كانتا زرقاوين. 

و بعد ان قامت مفسرة عالم كافكا الفكري المتطاولة بالتدليل على نقص حدة ذكائي، توجهت الى كافكا باحثة عن موافقته. لكن كافكا اجاب بلهجة لا تنم عن ود كثير : (( الغريب على صواب)) 
لماذا استخدم بالذات هذه الكلمة التي تظهر في كثير من اثاره؟ ها يشير الى تعبير استخدمته السيدة قائلة انني (( الغريب في براغ؟)) على الارجح كان الامر هكذا، لكن وصف (( الغريب)) الذي له في كثير من لغات الارض وقع الاهانة، تحول في فم الشاعر الى جسر اقيم بينه و بيني. 

و احمر وجه قرينه الشويعر، و كان انطباعي ان كافكا كان يراقبها. و زاد هذا الانطباع عندما لاحظت ان نظرته مكثت لحظة قصيرة على قسمات وجه ارنست فايس الذي كان يجلس برزانة و كانه بوذا. ثم انحنى الي ، و كان لجوابه على سؤالي وقع الاعتراف : (( كل ما هو حياة هو مجرد جزء)) 

و من خلال كل الدخان و الضجيج رايته ثانية بين الاقحوان و الداليا، و فهمت العبرة التي اكتسبها من الزهور التي كان يحبها : ان الحياة التي نحسها هي مجرد جزء. 
 

أجرى اللقاء ‫‏فرد برانس، غالياً في أيلول أو تشرين الأول عام 1921
ملاحظة: الأصدقاء يسمونه وينادونه كافكا أي الغراب أي الغريب

رابط مختصر:



مشاركة



شاركنا برأيك

اختيارات القرّاء