قصّة الرقصة المولوية وكتاب "المثنوي"

أحمد العقدة | الأربعاء 24 شباط 2016 | 9:20 مساءً بتوقيت دمشق

مشاركة

في يومٍ من الأيام، بعد اختفاء شمس الدين التبريزي، في ساعة العصر، كان جلال الدين يمر في سوق قونية، كان رأسه منحنياً أمامهُ، ويداهُ على كم ردائه، .. يمشي رويداً رويداً.

وفي إحدى اللحظات كان يمر عبر سوق الذهب .. وردت على سمعهِ أصوات مطارق الصائغين الذين يضربون صحائف الذهب ..  ضربات المطرقة المتناسقة والايقاعية، حوّلت همّ جلال الدين إلى شوقٍ ورغبة.

توقّف .. استمع مدّة إلى الأصوات .. رفع يده اليمنى .. العينان مغمضتان .. والرأس ساقط على الكتف الأيمن .. فدار دوريتن معتمداً على رجله اليمنى ... ثم شرعَ في الدروان. 

أصوات المطارق أصبحت تبدو له أكثر قوة .. وعندما شاهد صاحب المحل "صلاح الدين" أن مولانا "جلال الدين" بدأ بالرقص على أصوات المطارق .. تشوّق وقال لعماله: لاتقطعو الضرب بالمطارق ولاتقلقوا من أجل فساد صحائف الذهب .. اضربوا اكثر وأكثر. 

في ذلك اليوم عادَ صلاح الدين "زرقوبي" مع مولانا جلال الدين إلى المدرسة، فأصبح درويشاً له، ثم خليفةً، ثم صاهره. 

بعد 10 سنوات على بداية الصداقة بينهما، يتوفى صلاح الدين زرقوبي .. وللمرة الرابعة يفارق الرومي أحد أهم الأشخاص في حياته، والدهُ بهاء الدين ثم أستاذه برهان الدين ومعلمه شمس الدين، ومريدهُ صلاح الزرقوبي.

يقولُ مولانا أن رقصة السما (المولوية) هي شعور الانسان بخالقه في أصغر خلية .. فالمولية ليست عبارة عن الدوران .. الإنسان وهو جالس إذا كان يحس في أعماقه بالخالق فهذا يعني انه في حالة تجلّي مع خالقه.

واليوم نشاهد في بعض الدول خاصة في المطاعم والملاهي أناساً يقومون بعمليات دوران دون أن يتدربوا على التصوف.  وكل هذه السلوكات التي تقع في بعض البلاد ومنها تركيا، ليست في شيء من التصوف الذي يعني نوعاً من التعبّد.  ومايقوم به هؤلاء ليس إلا رقصاً مستلهماً من الموضوعات الدينية. 

يجب ان ندرك أن المولوية ليست عبارة عن رقصة السما. بل هي إحدى  طقوسها .. لكل تكية أو زاوية ما يسمى بيوم أو ليلة الأسبوع .. وأطول الطقوس تستغرق ثلاث ساعات .. يجب على الناس ان يسألو أنفسهم: ماذا يفعل هؤلاء باقي أيام الأسبوع؟ وعندما يجدون هذا الجواب، حينئذ سيخطون خطوة نحو معنى المولوية، ومعنى الدرويش.

حسام شلبي وكتاب المثنوي

اختار "جلال الدين" شاباً يدعى حسام الدين شلبي خليفةً له، ذلك الشاب الذي كان طالباً له منذ اول شبابه، فتربى ونضج على يده .. سيصبح بعد 15 عاماً صديقاً فطالباً فخليفةً لجلال الدين الرومي.

أحد ادوار حسام الدين شلبي أنه لعب دور الممرض، يعني الممرض الذي يحقق الولادة. فمولانا جلال الدين "حامل" إن صح التعبير، حامل بالموضوعات المعنوية. لكنهُ يحتاج إلى ممرض حتى تظهر الحِكَم .. حتى تتحقق الولادة. لذلك نحنُ مدينون لهُ بالشكر. 

فلولاه، ربما بقي مولانا جلال الدين في ملف التاريخ كرجلٍ عارف عاشَ هذا الذوق، وحمل به، لكن توفي دون أن يلده. 


في يوم من الأيام يبتسم مولانا جلال الدين ويمد ورقةً إلى شلبي. يقول له: إقرأ. "حسام الدين شلبي" يقرأ تلك الأبيات الثمانية عشرة الأولى من "المثنوي" .. التي جعلت ملاييناً من الناس يجتمعون حولهُ منذ ذلك اليوم. 

بعد أن عطى مولانا جلال الدين الأبيات الثمانية عشرة لحسام الدين شلبي، قال: إن تكتب انت فأنا أقول، ويظهر كتاباً كما تريد .. وبدأ مولانا جلال الدين يقول ويقول، في المسجد .. في المدرسة .. في الخان .. في الحمامات .. في القصر .. في الحديقة .. كل مكان، وحسام الدين شلبي يكتب ويكتب. 

انتشر المثنوي في العصر الحديث، بحيث وصلت مبيعاته في العالم إلى 25 مليون نسخة. والمثنوي كان مصدر إلهام لكثير من الحكايات المعنوية. ويقال أن "سمياء" باولو كويلو في الحقيقة، عبارة عن نقل وتطبيق لحكاية في المثنوي.

وفاة الرومي.. وليلة العرس 

في فصل الخريف لسنة 1273 تحدث زلازل كثيرة في قونية، والأهالي تخرج وتزدحم في الشوارع .. تقضي لياليها في الخيام .. وفي إحدى المرات، وقع زلزال كبير واقتعلت الأرض من مكانها ، وفي ذلك اليوم قال جلال الدين الرومي: لاتخافوا جاعت بطن الأرض تريد لقمة سائغة لعلها تبلغ حاجتها وتستريحون انتم. 

بعد بضعة أيام من الزلزال، لزم جسده المرهق الفراش بحيث لايستعيد نشاطهُ ثانية، على رأس الفراش "السلطان ولد" وعلى اليمين حسام الدين شلبي. 

وأخيراً في الـ 17 من ديسمبر عام 1273 يسلّم الأمانة إلى صاحبها، وهو تاريخ الاحتفالية السنوية بما يسمى بـ شبي عروس، أو "ليلة العرس".

قال الرومي قبل وفاته: 
أنا اوصيكم ان تتقوا الله في السر والعلن .. وأوصيكم بقلة الطعام. وقلة المنام، وقلة الكلام، والابتعاد عن الحرام، والمواظبة على الصلاة والصيام، وتجنب الشهوات والسفهاء من الانام، وبمصاحبة الكاملين والعلماء الأعلام،واعلموا أن خير الناس من ينفع الناس. 

خرج المسلمون والنصارى في تشييع الرومي .. وتروي كتب التاريخ عنهُ أنهُ قال وهو على فراش الموت: "لاتبحث عن ضريحنا بعد وفاتنا فضريحنا هو فؤاد العارفين".

رابط مختصر:



مشاركة



شاركنا برأيك

اختيارات القرّاء