في دلالات المخيّم

عبد الواحد علواني | الاثنين 18 كانون الثاني 2016 | 1:49 مساءً بتوقيت دمشق

مشاركة

عندما قال محمود درويش: (بيروت تفاحة)، لم يكن يختزلها في تفاحة، إنما كان يستدعي كل ما يرتبط بالتفاح من تجارب وخبرات الحواس، الطعم واللون والملمس والرائحة، وحتى صوت القضم الشهي، وربما هشاشة التفاح إذا تعرض لبيئة فاسدة أو جاور تفاحة فاسدة.

وكلمة "المخيّم".. كلمة لا تقل في دلالاتها عن أي كلمة، بل ربما تكون العنوان العريض لمعظم تاريخنا الراهن، ومع أنها ارتبطت طيلة عقود القرن العشرين بالقضية الفلسطينية، أصبحت اليوم عنواناً رئيسياً في كل قضايا المنطقة وأزماتها وحروبها وثوراتها، ارتبطت بكل شعوبها التي كانت تحلم بهامش من الحرية، وتسحق اليوم بين سندان أنظمة قمعية، ومطارق مافيا دولية تظهر بألف لبوس ولبوس.

"المخيّم حيث الوطن مؤجل أو مفقود.."


المخيّم حيث الوطن مؤجل أو مفقود.. المخيّم حيث ينبذك حتى العراء.. حيث تتلاعب بك الرياح فتذروك حيث تشاء، أو تدوسك الأقدام الثقيلة والمتوحشة لتموت بلا مجلس عزاء، وتحرم حتى من دعاء رحمة..

المخيّم حيث مذلة السؤال، واعتقال الإرادة، وحجب الأرواح عن الحياة الطبيعية، وتكبيل رغبتك في غد مختلف، حيث يرعى الناس كالسائمة في حظيرة، ما يتوفر لهم من قوت لا يغني عن جوع، وهم يضوون انكساراً وانتظاراً..

المخيم حيث الأرض الرخوة، والخيمة الممزقة، والسقف المتهالك، حيث يصبح الانتقال إلى أمل صغير أصعب من القفز في بركة رمال متحركة..

ولكن إرادة الإنسان تفعل المستحيل، فمخيمات اللجوء الفلسطيني، تحولت فيما بعد إلى مساحات كريمة، أنقذت أهل المدن الكبيرة من الاختناق في وسطها، مارست دوراً مؤثراً على حياة من لجأت إليهم، كانت المخيمات التي تجمع من حولها الناس لأنها تمت بفعل قوة احتلال غاشمة تهافتت من أصقاع الأرض مدججة بالسلاح والمال والدعم السياسي الداعر.. أما مخيمات اليوم فهي وليدة صراعات بينية، وأنظمة مستفحلة في الفساد والاستبداد، وعصابات قاتلة لا يمكن فصلها عن سياق المافيا العالمية بأي زي تزيت، وأي شعار رفعت..

خلال نصف قرن كانت إرادة الحياة والمجابهة ترفض تحويل المخيم إلى وطن بديل، وها هي الأوطان تتحول إلى مخيمات، يفر منها الناس إلى بحار لا ترحم، وبرارٍ لا لطف فيها.. باحثين عن بقعة لا تلاحقهم فيها براميل الموت ولا سواطير الهمج، عن بقعة ترتاح فيها أجسادهم من الوطء الثقيل للقتلة. يحلم كل منهم بمخيم صغير يضم ما تبقى من أسرته، أو ربما يضمه لوحده، ليأخذ فرصته في فهم ما جرى.. وفهم ما يمكن فعله من أجل غد أقل سوءاً..

لا تنبثق المخيمات من الفراغ، ولا تأتي من العدم، إنما هي تجسيد لمخيمات داخل نفوسنا، فعلى الرغم من أن جل البشر قد تركوا الخيام إلى منازل حضرية تختلف أشكالها وسعاتها ورفاهيتها، إلا أنهم حملوا خيامهم في أرواحهم، وبين جنبيهم، وباسماء متعددة، مغلفة بالأوهام والخرافات، كإناء هش فيه مهل يغلي.. ما إن تتصدع حتى تغمر الحياة بالسخام والحرائق.

"كل هذا الشقاء لن يكون له حل إن لم تخرج حضارة اليوم بحد ذاتها من مخيّماتها النرجسية"


هذه الأوطان التي حوصرت بالمخيّمات، الأوطان التي تختزل تاريخها بالمعارك والحروب والصراعات، إلى درجة تسميتها بـ (الأيام)، وكأن لا يوم إذا لم يكن فيه نحر وتدمير، هذه المخيمات التي تبتلع أحلامنا وآمالنا، التي تفضح مزاعم حضارة اليوم، وهذا البؤس الذي ينتشر كالطاعون، والذي لن يستثني أي إنسان حيثما كان، كل هذا الشقاء لن يكون له حل إن لم تخرج حضارة اليوم بحد ذاتها من مخيماتها النرجسية، وتفسيراتها المركزية..

قتل الطاعون مئات الملايين من البشر في التاريخ قبل أن يهزمه البشر بفهم أسباب انتشاره والحد منها... والبؤس اليوم هو الطاعون الذي فتك ويفتك بمئات الملايين، ولا زال البشر عاجزون ربما وربما غير راغبين في فهم اسباب انتشاره والحد منها..

ثمة من يظن أنه بأمان.. ولا يدري من أين ستنفجر المخيمات في وجهه كالدمامل..

رابط مختصر:



مشاركة



شاركنا برأيك

اختيارات القرّاء