عندما قررت ألا أبقى يوماً واحداً إضافياً..!

عقيل حسين | الأحد 28 تموز 2019 | 5:30 مساءً بتوقيت دمشق

مشاركة

"يمكن للانسان أن يغادر وطنه، لكن لا يمكن للوطن أن يغادر الانسان"

مثل انكليزي

في الأسابيع الأخيرة الماضية يراسلني الكثير من السوريين من أجل تقديم النصح والاستشارة بخصوص نيتهم الهجرة إلى فرنسا، البلد الذي أقيم فيه منذ أربع سنوات ونيف، تاريخ مغادرتي حلب.

جميع الذين يتواصلون معي هم من المقيمين في تركيا، لكن ليس كلهم ناشطون، وهذا يحد من فرص قبول طلباتهم لللجوء، إذ تقبل باريس فقط النظر بملفات خاصة بالناشطين أو أصحاب الحالات المرضية المستعصية، هذه الحالات التي يلاحظ أنها باتت تصيب السوريين في مهاجرهم بكثرة خلال السنوات الأخيرة.

يسألني الجميع طبعاً عن تقيمي للجوء في فرنسا، وهنا تكون الإجابة معضلة كبيرة، فمن ناحية أتفهم تماماً حاجة جميع السوريين اليوم للحصول على مكان مريح يعيشون فيه بهدوء واستقرار دونما الخشية من أي عارض طارئ قد يعيدهم إلى المربع الأول من المعاناة، وبالتالي أجدني مطالباً بتشجيعهم على هذه الخطوة.

ومن ناحية أخرى أحاول إيجاد المفردات المناسبة لوصف واقع الحال بحكم تجربتي كلاجئ في أوربا، إذ تتشابه كل الدول تقريباً مع فرنسا من مختلف النواحي، وبما لا يجعل أحداً يعتقد أنني أتعمد رسم صورة سلبية بهدف دفع الناس للعدول عن هذه الفكرة.

أتحدث هنا بوصفي لاجئاً عادياً، وليس كناشط أو كصحفي، إذ كان القرار محسوماً بالنسبة لي منذ مغادرتي حلب في أيار 2015 بعد أن قررت ألا أبقى يوماً واحداً إضافياً فيه، أن أبتعد عن النشاط السياسي وأتوقف عن العمل الإعلامي، وهذا القرار بات محسوماً أكثر عندما لاحظت استغلال الناشطين السوريين من قبل الصحافة الفرنسية، ومن قبل الجمعيات والمؤسسات المعنية بالصحفيين الهاربين من الحروب أو البلدان الديكتاتورية، التي تنظر إليك في النهاية كغنيمة وكذلك كرقم، ستضيفه إلى سجلاتها من أجل المتاجرة به.

وكلاجىء عادي بدأت حياتي الجديدة في مدينة صغيرة تبعد عن باريس نحو مئة وثلاثين كيلو متراً، تعرفت فيها على مجموعة عائلات سورية من مختلف المحافظات، وفهمت منذ اللحظة الأولى أن علي تعلم اللغة الفرنسية التي لم أكن أعرف كلمة واحدة منها قبل ذلك.

خلال أقل من عام أجدت اللغة الجديدة لكن بعد بذل مجهود لم أبذله منذ سنة البكالوريا، لكن النتيجة كانت في غاية الأهمية، خاصة وأنني أصبحت قادراً على وعي كيف يفكر الفرنسيون والمهاجرون إلى هذه البلاد التي تستضيف الملايين من كل انحاء المعمورة.

منحتني اللغة حتى وأنا في المستوى فوق المتوسط، القدرة على فهم أن هناك "عنصريون فرنسيون" بالقدر ذاته الذي يوجد فيه "انسانيون رائعون" من أبناء هذه البلاد، كما منحتني في الوقت نفسه القدرة على فهم أسباب كل طرف.

بينما يعتقد كل من لم يصل إلى أوربا بعد أنه لأمر رائع أن تكون بدون عمل، وتوفر لك الدولة المصروف والمسكن والتأمين الصحي والتعليم المجاني والمواصلات ..الخ، فإن الواقع يؤكد أن العطالة وقضاء أربع سنوات من الفراغ سبب كاف للاصابة بمختلف الأمراض النفسية والفيزيولوجية

لكن اللغة وحدها لا تحل كل مشاكلك، وأكبر مشاكل اللاجىء أن يكون بدون عمل، إذ وبينما يعتقد كل من لم يصل إلى أوربا بعد أنه لأمر رائع أن تكون بدون عمل، وتوفر لك الدولة المصروف والمسكن والتأمين الصحي والتعليم المجاني والمواصلات ..الخ، فإن الواقع يؤكد أن العطالة وقضاء أربع سنوات من الفراغ سبب كاف للاصابة بمختلف الأمراض النفسية والفيزيولوجية.

لكن الدولة توفر لك حتى الطبيب النفسي مجاناً، ولذلك لم أتردد في الذهاب إلى مستشار نفسي أرشدتني إليه عجوز من أصل بولندي قدمت لنا كلاجئين مساعدات جمة، لكني لم أتمكن على مدار ثلاث جلسات سوى من مقابلة مساعدي المستشار الذين كل ما فعلوه من أجلي هو الحوار، قبل أن يقرروا أنني لست مريضاً نفسياً.

قد يبدو ذلك خبراً جيداً، لكن ليس بالنسبة لسوري مثلي يعاني من كل أعراض المرض النفسي، حيث تطارده الكوابيس في نومه، والحزن في يقظته، والهوس بما حل بسوريا وأبنائها في ليله ونهاره، والأهم أنه مسكون بالحنين..الحنين القاتل للماضي، للوطن، للصحبة، للأهل، للأصدقاء، للسهر، للحظات وتفاصيل كثيرة ما أشد شوقي لها، وما أجبنني على البوح بهذا الشوق كي لا أظهر كمريض نفسي بالفعل.

*****

كانت الساعة قد تجاوزت الثانية فجراً عندما دخلت المشفى الجامعي في المدينة التي أقيم فيها بعد أن تفاقمت الأعراض التي تشير جميعها إلى إحتمالية تعرضي لأزمة قلبية.

حدث هذا قبل ثمانية أشهر، ولم تكن هذه المرة الأولى التي أدخل فيها قسم الطوارئ في هذا المشفى الذي سبق أن دخلته مرات عدة، غالباً ما كانت من أجل طفليّ، وفي كل مرة كانت التجارب متباينة، بعضها كان مميزاً إلى الحد الذي يجعلك تشكر الله ملياً على وجودك في هذا البلد، وبعضها لم يكن كذلك، لكن أسوأها على الإطلاق كانت المرة الأولى عندما تعرضت زوجتي للاجهاض بعد ثلاثة أشهر من حملها الأول.

كانت تجربة قاسية وصادمة.. لقد جعلوا زوجتي تنتظر لوقت طويل قبل أن يطلبوا منها المغادرة بعد كشف سريع أخبروها في نهايته أن الجنين قد خرج تماماً، لكن كيف يمكننا المغادرة ونحن لا نعرف أي طريق في هذه المدينة، كما أننا لا نستطيع التحدث بالفرنسية..

تجاهلونا تماماً، ورغم الحاحنا على مدار ثلاث ساعات متتالية لكي يساعدونا في طلب تكسي، إلا أن أياً من الكادر الطبي في هذا القسم لم يستجب لنا، حتى اضطررنا إلى المغادرة مشياً، بينما كانت زوجتي في ذروة المعاناة، و"المجهضة كالوالدة" كما يقول المثل السوري.. ثم استقلينا الحافلة إلى المنزل الذي اكتشفنا أنه على بعد محطة واحدة فقط، إلا أن المأساة الكبرى كانت عندما عاود النزيف زوجتي التي اكتشفت سقوط جزء آخر من الجنين كان ما يزال عالقاً.

ولد لنا بعد ذلك طفلان في المشفى ذاته، وحصلنا في كل مرة على معاملة رائعة، كما أنني حصلت شخصياً على تعاطف وعلاج جيدين في المكان نفسه بعد تعرضي لعدة إصابات في الوجه والفم والاسنان، على إثر الاعتداء القاسي الذي تعرضت له مع مجموعة من الشباب السوريين خلال لعبنا كرة القدم من قبل فريق من عرب افريقيا والسنغاليين الذين أرادوا تأديبنا كسوريين نحصل على الدلال من الحكومة الفرنسية (!!!)، بينما لا زالت الشكوى التي تقدمنا بها ولم تقبل الشرطة تسجيلها إلا بعد أيام من الذهاب والمجيء وارسالنا من قسم شرطة إلى آخر، ما زالت مجهولة المصير إلى اليوم بعد مرور عامين!.

أجرت لي ممرضة الاستقبال الفحص الأولي ثم أحالتني إلى قسم القلبية، وهناك حصلت على كل العناية اللازمة، من كشوفات وتحاليل وأشعة أثبتت جميعها أن قلبي بخير وأن علي مراجعة مختص بالاعصاب بالسرعة القصوى، فكان أن تدبروا لي موعداً بعد شهر ونيف، وهذا ما يعنيه مصطلح (السرعة القصوى) للحصول على موعد مع طبيب مختص هنا، بينما قد يطلب منك الانتطار لعام أو عامين من أجل الحصول على موعد عادي!

مرت بعد ذلك ستة أشهر وأنا أتنقل بين عيادة وأخرى دون التوصل إلى معرفة سبب ما أعاني منه، إذ بينت كل الفحوصات عدم وجود مشكلة، لا عصبية ولا داخلية ولا قلبية، بينما كان الوضع يزداد سوءاً وقد فقدت من وزني (وأنا النحيل أصلاً) أكثر من عشرة كيلو غرام، عندها قررت ألا أبقى يوماً واحداً إضافياً في هذا البلد.

*****

استدنت مبلغاً معقولاً وتوجهت برفقة عائلتي إلى الأردن ومنها إلى العراق، وبعد ذلك إلى تركيا التي كانت وجهتي الرئيسية، وخلال جولتي هذه أجريت فحوصاً طبية في البلدان الثلاثة، تمكنا خلالها بفضل طبيب عراقي من معرفة المشكلة الصحية التي أعاني منها في المعدة، وطلب مني حمية غذائية قاسية جداً لمدة ثلاثة أشهر، لكنها بالنسبة لشخص مثلي ليس لديه شغف بالطعام لم تكن تعني مشكلة سوى أنها ستزيد من نحولي الذي أصبح مخيفاً.

عندما وصلت إلى تركيا، حيث يقيم والديَّ وعدد من أشقائي، كان قد دخل شهر رمضان الفائت للتو، وكنت قد حسمت أمري تقريباً بالإقامة في هذا البلد والبحث عن أي فرصة عمل بجوار أسرتي.

سارت الأمور على نحو جيد، وبدأت أشعر بالتحسن نفسياً وفيزيولوجياً، على الرغم من أنني تخليت عن الأركيلة التي لم أكن أتصور أن الحياة ممكنة من دونها قبل ذلك، وكنت في شوق كبير للتجول في مدينة اسطنبول العظيمة، والتي أصر بعد مشاهدتي للكثير من المدن الأوربية خلال السنوات الأربع الماضية، أنها أجمل مكان على وجه الأرض، وكان أكثر ما يثير اهتمامي خلال تجولي فيها، الحملة الانتخابية لمرشحي الحزب الحاكم والمعارضة من أجل انتخابات بلدية اسطنبول المعادة، والتي انتهت بفوز المعارضة، الأمر الذي أحدث التحول الأهم في حياة السوريين المقيمين في تركيا كما يعلم الجميع اليوم.

رأيت القلق في عيون الكثير من السوريين، وبينهم أفراد عائلتي بطبيعة الحال، الذي يقيمون في إحدى الضواحي الآسيوية من اسطنبول، واستمعت منهم إلى قصص عديدة عن المضايقات التي يتعرضون لها، وهو أمر لم يفاجئني إذ أنني بعد شهرين من الاقامة في عنتاب عام ٢٠١٤ علمت أنه لا يمكنني العيش في تركيا، ورحلة واحدة مع سائق تاكسي أجرة في اسطنبول الأوربية بعد الانتخابات أكدت لي مدى المعاناة التي تنتظر السوريين بعد اليوم إذا لم يتم معالجة الأمور.

كنت برفقة زوجتي وطفليّ ننتظر تاكسي تحت شمس الظهيرة الحارقة، توقف أحد السائقين وصعدنا دون أن نجيب على سؤاله حول وجهتنا، أزعجه هذا التصرف، وعندما أخرجت له العنوان مكتوباً بالتركية ازاداد غضبه، لكنه تحت الأمر الواقع مضى بنا إلى وجهتنا.

سألني: من أين أنتم؟

ودون تردد قلت: من فلسطين..

انفرجت أساريره، وقال بالتركية التي لا أجيد سوى بعض كلماتها: غوزال..أنا لا أحب السوريين..الفلسطينيون أبطال يقاتلون اسرائيل، أما السوريون فقد هربوا جميعهم إلى بلدنا وتركوا الجيش التركي يقاتل بدلاً عنهم!!

كان موقفاً صعباً أن تسكت على مثل هذه الإهانة، لكن كيف يمكنني أن أفهمه بالتركية أن هذا خطأ، وأن ليس كل السوريين هربوا، وليس كل الفلسطينيين بقوا ليناضلوا، وأن الجيش التركي لا يقاتل بدلاً عن السوريين، بل من أجل تركيا!!

قلت جامعاً بين الكلمات التركية الركيكة ولغة الإشارة: لماذا تعتقد أن كل السوريين سيئين؟

أجاب: أنظر إليهم، يوجد ثلاثة ملايين هنا في اسطنبول وحدها (الرقم الحقيقي نصف مليون)، جميعهم يلبسون الاديداس والنايك ويحملون أفضل الموبايلات، ويأركلون الشيشة ويحصلون على الأموال من حكومتنا التي خسرت انتخابات اسطنبول بسببهم..

ثم أضاف بإصرار: نعم كلهم سيئون أنا أعرفهم..!

نزلنا من السيارة بعد ذلك بقليل وأنا أكثر قناعة بقرار الهجرة إلى أوربا قبل أربع سنوات، ثم التفت إلى زوجتي العراقية لأخبرها أنه لا يمكننا البقاء يوماً واحداً إضافياً هنا، وأن وجهتنا القادمة هي المطار..

نعم فقد كتب علينا الهرب حتى النهاية طالما أنهم أخرجونا من الوطن، لكن الوطن لم يخرج منا...

اقرأ أيضاً

من جحيم الحرب إلى قلق الحياة ... من سوريا إلى كندا

رابط مختصر:



مشاركة



شاركنا برأيك

التعليقات الواردة من القراء تعبر عن آرائهم فقط،ولا تعبر عن رأي”المخيّم” ـ

عبدالله حمدان |

2019-07-31

شجاعة منك في سرد ما كتبته عن حياتك الخاصة و تجربتك التي كنت شاهد عليها في ما يخص الحياة في فرنسا و فعلا ذكرت ما حدث دون زيادة أو نقصان و احييك على جرأتك فيما طرحته .nارجو من الله أن تكون الايام القادمة افضل لك استاذ عقيل و لجميع السوريين في هذا العالم

عبدالله حمدان |

2019-07-31

جرأة كبيرة منك في سرد ما حدث معك في السنوات السابقة و التي اشاركك في جزء منها في فرنسا و كنت شاهد على أحداثها .nشجاعة تستحق عليها الثناء nارجو من الله أن تكون الايام القادمة افضل و اجمل لك و لجميع السوريين في هذا العالم .n

هاني الذياب |

2019-07-28

بعض ماذكرته وأكثر منه في سوريا مر بي منذ بداية بزوغ ثورة الياسمين الى المتغييرات التي حدثت فيها وحملي للسلاح 2012 للدفاع عن أهلنا وأبنائنا إلى محاولاتي العديدة لعبور سور الموت الحدودي مع تركيا 2018 .. إلى معاناتي الآن في اسطنبول nولا أدري كيف سينتهي بنا الأمر ..!!nnولكن ما أعرفه أنني ومثل كثير من الناس كنا ولا زلنا ضحايا جريرة ثوارنا ( الفصائلية ) التي مزقت توحدنا وأطالت في بقاء نظام الأرهاب وأنتجت خلايا سرطانية مؤدلجة في جسد الثورة أحتطبت عليها قوى الشر من الشرق والغرب nnأهيمُ اليوم وكذا ماقبله وغدا على وجهي في ضواحي اسطنبول أبحث فيها عن قليل كرامة الأنسان لأخيه الأنسان .. والتي للأسف لا تكادُ تجدها في بيئة أُختُزِلت فيها العنصرية
اختيارات القرّاء