على كتف الفقدان.. اسمٌ مسروق وأرضٌ طيّبة

حنان فهد | الجمعة 16 تشرين الاول 2015 | 10:17 مساءً بتوقيت دمشق

مشاركة

لمسة يتيمة على كتف الفقدان المكسور تكفي لتصنع جناحاً من حياة..

هكذا كنت أعتقد أو خُيّل لي للوهلة الأولى، لكن أن تستعيد اسمك عندما تموت؛ هنا تكمن المعضلة، ويصبح للفقدان طعم اللقاء و زهوة الانتصار.

أيُّ وجعٍ هذا الذي خالجك طيلة سنوات عمرك الطويل الجميل، وقد نزعوا منك قسراً هويّتك و أطلقوا عليك ماشاء من خيالهم القمعي من ألقابٍ وكنىً من فوضى الأجداد..

تاهت الهُوية.. فكانت حياتك سلماً يرتقي بنبض يتسارع نحو الخلاص، و أيّ خلاصٍ ممكن سوى "العمل والعلم".

هاتان المفردتان (العمل والعلم) لطالما حملت معها تلك الأحرف الثلاثة (اللام والميم والعين) وهج "لمعٍ" مشتهى.

في تلك السنوات الخمس من الحرب، عرفنا وتعرفنا على الفقدان وطعمه العلقم.. أي نفق مظلم تحتويه تلك الكلمة، ضاعت مدن الحنين وماتت الأغاني في الأزقة و أغتيلت ساحات الفرح، لكن الدمع لا يعوض الفقد.

عندما تخترقك الفكرة والتفكير لحدها الأقصى، يجرب حتى الأحمق منا دمع العقل، و يرى الأعمى كيف العقل يبكي، و يتألم.

وجع العقل يستطيع أن يوحدنا نحن المجانين في حب "الوطن الجثة" في فيزيولوجيا الفقدان.

الكل مفجوع بخساراته، والدورة الدموية للحياة تعود لتصخ دماء جديدة وتعيد تكرير تلك العلقات المتخثرة على شفاه العجز..

كم من القهر حملت روحك حتى توصي أن تموت على اسمك المؤود..

تبدأ الحكاية بسكرات الموت، وبضجيج القهر المكبوت (الله يرحمك يا أبي)، وعندما يعلن الجامع خبر وفاته يذكره باسمه الذي سرقوه لأسباب سياسية!.. كم من القهر حملت روحك حتى توصي أن تموت على اسمك المؤود..

تُعيد عيناي ترتيب بقايا صور من عينيك الخضراوين اللتين لطالما حملت معها حبق التساؤل والسؤال، وخارطة حب يتدفق ولا ينضب. معك عرفنا سوريا، ومرضت عندما مرضت.. لم يستطع جسدك المقاومة بعد، لكنك كنت مبتسماً كملاك من لقاء آخر.

فهد جديد
فهد حبيب جديد


الجنازة والمقبرة والأهل والأصدقاء والطريق إلى تلك "الأرض الطيبة" وصوت الجامع يعيد نعيك باسمك المسروق منذ أعوام .. بل عقود.

ما أجملك وأنت تلتقي أناك الطاهرة الراضية المرضية، يصبح للفقدان شكل لقاء جديد.

أعرف أنك تبتسم، وروحك مازالت ترفرف حولنا..

المقبرة تفتح فمها من جديد.. تلتقط الجسد الوعاء 

يعلو صوت القرآن.. والسماء تضج بالطائرات الروسية!

 فقدانٌ آخر على طريق السماء

وتضحكُ المقبرة.

 

قرية دوير بعبدة

*في رثاء المرحوم (فهد جديد) والد الطبيبة (حنان) الذي توفي في قريته "دوير بعبدة" بتاريخ 5 - 10 - 2015

رابط مختصر:



مشاركة



شاركنا برأيك

اختيارات القرّاء