عصر الأوكاليبتوس والسافانا

عبد الواحد علواني | الثلاثاء 25 آب 2015 | 11:47 مساءً بتوقيت دمشق

مشاركة

ثمة لحظات فارقة في التاريخ البشري تسم المراحل التي تليها بنتائجها لفترات طويلة، وهي لحظات تحول عميق في السيطرة، أو الفكر، أو التقدم العلمي، تهيء المناخ لانقلاب شامل، إذا واتته الظروف فإنه ينقل المجتمعات من عصر إلى عصر. ليس بالضرورة أن يكون الانتقال نحو الأفضل، إذ قد يكون نحو الأسوأ.

السيطرة العسكرية للاسكندر المقدوني تاريخياً غيرت وجه العالم، لأن حملة المقدوني لم تكن مجرد حملة عسكرية، إنما كانت نظاماً من المفاهيم يقوم على التمازج مع الشعوب التي تستحوذ عليها، وكانت هزيمة كثير من الشعوب أمام المقدوني إنتصاراً لها على المستوى الفكري والاجتماعي، إذ أنه صب في مصلحتها، بينما حملات المغول والتتار كانت على العكس منها، لأنها لم تحمل قيماً أكثر حداثة وعمقاً وتطوراً، وكان انتصار المغول بمثابة هزيمة لهم.

قيم العدالة التي حملها المسلمون الأوائل في عالم يعج بالمظالم فتحت لهم الأبواب، ويسرت لهم السيطرة على مساحات جغرافية هائلة بجهد أقل من الجهد المطلوب، إذ وجدت بانتظارها شعوباً ملت من طبقاتها الحاكمة وأنظمة الحكم الجائرة فيها، كانت منظومة القيم والأفكار الجديدة قادرة على هزيمة أقوى الامبراطوريات التي عاصرتها، تحولات قامت على أساس فكري غيرت جغرافية العالم، والثورة الفرنسية وإن كانت عاصفة، لم تنضج بين يوم وليلة، إنما بقيت الأفكار الجديدة تكافح وتتلاقح لمئات السنين إلى أن جاءت اللحظة الحاسمة، لحظة الانتقال إلى زمن جديد، وحملة نابليون لأنها كانت تحمل في صلبها شيئاً من هذه الثورة، وعلى الرغم من نوازعها الاستعمارية، هبطت بهدوء على شواطئ مصر، ووجدت بيئة مرحبة بها إلى حد كبير، قبل أن تستفحل النوازع الاستعمارية وتثير كراهية المصريين للاستعمار الفرنسي الذي تحلل من القيم التي رافقته بداية حضوره في مصر. لكن هذه اللحظة كانت لحظة فارقة في المشهد المصري الذي احتك مع فكر الحداثة وتطلع إليها بشدة.

على المستوى العلمي كانت جرأة الأطباء المسلمين في العصور الوسطى على تشريح الجسد البشري، تحطم هالة القداسة المخيمة على الجسد، وتفتح الباب نحو اكتشاف أسراره وأجهزته وآلية عمله، مما أحدث واقعاً جديداً، وكذلك النظريات المتتالية والاكتشافات العلمية والاختراعات، إذ أنها كانت تؤثر عميقاً في بنية المجتمعات، وتغير من طبيعة الوجود الإنساني.

ثمة لحظتان شكلتا معاً أساس عالمنا الحالي، لحظتان متجاورتان زمنياً تتمثلان في اختراع المحرك البخاري، واكتشاف الطاقة الكهربائية، فهذان الأمران اختصرا المسافات في العالم، اختصرا مسألة المواصلات، ومسألة أدوات الاتصال، فانتقل الوجود البشري من صيغة العوالم المتجاورة إلى صيغة العالم الواحد، تلك كانت بداية العولمة الحقيقية.

للاسف ترافق ذلك مع اكتشاف الديناميت.. الذي فتح بوابة التدمير الشامل أيضاً.

في عالم الأوكالبتوس، من واتته الفرصة ونهض وتسامق يحجب الضوء عن غيره فيبقى رهن ضعفه وقصوره وقصره

تحول العالم من عوالم إلى عالم بسبب التطور في وسائل المواصلات والاتصالات، مما جعل أمم الأرض أكثر احتكاكاً وتفاعلاً وتداخلاً، وبات منطق الغابات الاستوائية يحكم العالم، في عالم الأوكالبتوس، من واتته الفرصة ونهض وتسامق يحجب الضوء عن غيره فيبقى رهن ضعفه وقصوره وقصره، الذين تمكنوا من سيادة المرحلة الحضارية غيروا منطق التداول الحضاري، لم يعد النسق الخلدوني صالحاً لتفسير حضارة (الغابات الاستوائية) والتي عبر عن مخاوفها وعنجهيتها كل من هنتيغتون وفوكوياما رغم اختلافهما الظاهر، خير تعبير!بينما استغرق باقي العالم في جغرافية سهوب السافانا، حيث لا يمكن للطرائد أن تختبئ من مفترسيها، وتبقى عرضة لنزواتها ورغباتها القاتلة.

فعلى الرغم من المزاعم الإنسانية الكبرى للغرب، إلا أنه يفسر العالم تفسيراً خاصاً ومركزياً، يحجب أي إمكانية للحداثة في الأطراف بالمعنى الانتاجي والمعرفي، ويصر على إتاحتها بالمعنى الاستهلاكي والمظهري، وهي سياسة تبدت في عدة مظاهر وتأويلات وخلال تحولات أكثر من قرن ونصف من التاريخ الراهن، وبأنساق متعددة تتناسب ورغبات الهيمنة الشاملة.

ففي المجال الاعتقادي: تم تشذيب الدين لأسباب علمانية معلنة، ليكون الدين عاملاً أخلاقياً جامعاً ومسالماً وروحانياً داخل ثقافة المركز، وبنفس الوقت محملاً وممهداً للسياسات الأكثر عنفاً وتدميراً خارج حدود المركز، وخاصة في الآونة الأخيرة حيث سيطرت ثيمتان اساسيتان: الصراع بين محوري الخير والشر الذي رفعه الرئيس الأميركي بوش (وهي نفس عقلية الفسطاطين التي عبرت عنها القاعدة)، والحرب الاستباقية التي ظهرت بعد أحداث ايلول سبتمبر 2001 وفتحت بتأويلاتها المجال لأي فعل عنفي بغض النظر عن إنسانيته أو تكيفه مع ما أعلن من حقوق واتفاقيات دولية وإنسانية.

وفي المجال الاقتصادي: ثمة تقسيم غير معلن للعالم من قبل القوى الكبرى، المناطق الغنية، والمناطق الفقيرة، حيث يتم استثمار المناطق الغنية كأسواق استهلاكية للبضائع المختلفة وبتراكم يضر ببنيتها وبيئتها، ومناطق الفقر حيث تكون سوقاً لتصريف الإنتاج العسكري من اسلحة وعتاد وآلات دمار وحرب، وذلك بنكش أسباب ودوافع الأزمات الموجودة، وإثارة المزيد منها، والتي تحقق غايتين، الأولى: المزيد من الانتعاش الاقتصادي، والثانية: بالتخلص من العتاد القديم الذي يتيح مواصلة سباق التسلح دون أن يشكل عبئاً في التخزين، وتأمين موارد للصرف على صناعة الأكثر فتكاً وتدميراً.

وفي المجال الاجتماعي والسياسي: ثمة يقظة دائمة لوأد أي بادرة نهوض خارج المركز، إما بتحويلها إلى أزمة، أو بتحديدها عند حد معين قابل للتحكم والاستثمار، فعندما قامت ثورات الربيع العربي كانت كلها بدون استثناء تطلب الديمقراطية الكاملة، وتطلب الحداثة بعيداً عن أي تعصب قومي أو ديني أو طائفي، تم إغراقها في دورة عنف وتشتيت وتأزيم لتتحول إلى حرب ايديولوجية مدمرة انتهت إلى (جماعات الأزمة)، التجربة التي بدأت في أفغانستان، وبلغت أوجها في ايامنا الراهنة في الشام والعراق وليبيا... إلخ

 مهما  فعلت داعش من فظائع لا تثير الرعب في الغرب إلا في حدود ما يلزم للسياسات القادمة، لأن الغرب يدرك أكثر من غيره، أنها حتى لوسيطرت على الشرق الأوسط بأكمله، ستندحر وتموت بمجرد أن يتوقف الصراع

فالجماعات الجهادية التي حررت افغانستان بتعاون أميركي، لم تثر مخاوف الغرب، لأنها رهن وظيفتها الجهادية، ولا تستطيع بناء مجتمع مستقر لا تهدده الحروب والصراعات، ومع أنها وجهت ضربات قاصمة للغرب وللأنظمة المتحالفة معه، إلا أن هذا هو سقفها.. لذلك كان الغرب نفسه حريصاً على تحديد مجال نشاطها، دون وأدها إلى الأبد. واليوم داعش مهما فعلت من فظائع لا تثير الرعب في الغرب إلا في حدود ما يلزم للسياسات القادمة، لأن الغرب يدرك أكثر من غيره، أنها حتى لوسيطرت على الشرق الأوسط بأكمله، ستندحر وتموت بمجرد أن يتوقف الصراع، لأنها تعيش على الحروب والأزمات.

إلى الآن لم ندرك أن مخاوف القوى السياسية في الغرب تتجه بشكل حقيقي تجاه الجماعات والفئات التي تطرح رؤى عصرية إلى حد ما، من خلال تقبل بعض مظاهر الحداثة، أو الرضى بالعمل ضمن بنية مؤسساتية. ولا تتجه نحو البنى الايديولوجية والعسكرية. وقد عبر عن ذلك أبو الحسن بني صدر أول رئيس لإيران الملالي، عندما قال أن الأميركان أبلغوا الخميني أن لا مشكلة لديهم مع اي نظام عسكري أو ديني. والصراع المدمر اليوم يقوم بين سلطات عسكرية وجماعات دينية، وهو صراع مفيد للغرب وسياساته، إذ يكسب من التدمير كما يكسب من إعادة الإعمار، وحتى إن انتصر طرف على الآخر، فإنه لن يفلح في بناء استقرار سياسي.

يشكل الاستقرار المستند إلى عوامل محلية وتفاهمات سياسية واجتماعية، بنية غير مرنة أو متجاوبة لرغبات القوى الكبرى، وربما بنية مناهضة للهيمنة الغربية، وربما تتحول إلى بنية مهددة لمصالحه وهيمنته مع الزمن. ويمكننا من خلال سياق تحليلي أن نقرأ بوضوح السياسات الدولية التي كانت تنشغل بترتيبات جغرافية، وإجراءات في حدود إضعاف الأقوى وتقوية الأضعف، بحيث تبقى الحرب مستمرة، إلى أن تستسلم الشعوب المقهورة، وتتخلى عن أحلامها وانتماءاتها وهوياتها.. وترضى بأن تعيش اسفل الهامات العالية للأشجار في الغابات الاستوائية التي تواصل احتكار الضوء، وتنشر العتمة حولها. وتعاضدها في ذلك البنى التقليدية المحلية اليائسة، التي تفر إلى الماضي بدلاً من السعي إلى المستقبل، هرباً من راهنها البائس والمحبط. 

في الشرق الأوسط، كل التيارات الفكرية والأحزاب والاتجاهات الاجتماعية والخطط السياسية فشلت في استلهام تجارب الآخرين، لأنها أرادت إخضاع واقع متباين وثقافة مختلفة لتجارب ناجزة لها ظروفها وبيئتها، إضافة إلى التحديات المذكورة سابقاً، ثنائية التقدم والحرية في تمازجها مع عناصر الثقافة والهوية الخاصة أنتجت نماذج مؤولة ومشوهة، وصراعات بينية معطلة، وكذلك فعلت الاتجاهات التقليدية الدينية والقومية، التي أحيت الصراعات التاريخية في وجه العالم الجديد، وخاصة بعد إنشاء الكيان الإسرائيلي، ببعديه الديني والسياسي، حيث مد هذه الاتجاهات بشرعية إهمال التنمية بجوانبها ريثما يتم التخلص من هذا الكيان، الكيان الذي أختزل خطره في جوانب تمس الهوية، ولم تؤخذ آثاره الكارثية على التنمية بجدية إلى اليوم. واليوم تكاد إسرائيل أن تكون الوجه الوحيد المتسق مع المركزية الغربية بينما تنحدر المجتمعات المحيطة بها إلى قعر التاريخ. ومع أن عصراً نهضوياً انبثق منذ أواسط القرن التاسع عشر وحتى بدايات القرن العشرين، إلا أن هذه الجهود والأفكار الواعدة طمرت ووئدت في حمأة الصراع على السلطة وهيمنة التيارات الانعكاسية القائمة على رد الفعل. لم تدرك المؤسسات الحاكمة تغير وسائل الصراع، وبقيت رهينة التصورات القديمة للحروب والمعارك المختزلة في الانتصارات العسكرية، مما جعلها حتى في انتصاراتها الهزيلة مقارنة بهزائمها الفادحة، حتى في هذه الانتصارات شبه الموهومة كانت خاسرة، إذ إن انتصار الاستبداد أسوأ من الهزيمة أمام الاستعمار. وهذا ما أكدته وقائع قرابة قرن من الزمن تكثفت دلالاته في السنوات الخمس الماضية.


د. عبد الواحد علواني 
المصدر: صحيفة المخيّم

رابط مختصر:



مشاركة



شاركنا برأيك

اختيارات القرّاء