سوقُ الموت السوري 

حنان فهد | الاثنين 17 آب 2015 | 11:21 مساءً بتوقيت دمشق

مشاركة

لم يعد الموت حالة طارئة، لم يعد مفاجئاً أو صاعقاً مهما كان تدميره المادي والمعنوي، بل أصبحت الحياة هي الحدث الطارئ. في فوضى القتل و الدمار الهائل؛ تغيرت المفردات و أرتدت الأبجدية ثوباً مخاتلاً تلتبس فيه التعاريف و التسميات.
 
الحالة السورية كسرت القواعد المشذبة و أضرمت نيرانها في سكون اللغة، فهنا أنت "شهيد" وهناك "فطيسة" .. وأنت هنا قائد وهناك مجرم .. أنت هناك تدافع عن الأرض والعرض وهناك تبيع البلاد والعباد ... كل ماذكر ينطبق عليه والعكس بالعكس..

بعد آكثر من أربع سنوات وبعد أن أصبح بين الجميع دم ودمع وخبز وملح و خيانة الحلم، مازال الكل غريباً عن كله، لم يعرف، ولم يتعرف ولم يعترف .. مازال السوري ومن مختلف الإنتماءات يمارس بقصد أودون قصد سياسة الإلغاء والتهميش تجاه السوري الأخر، تلك السياسة التي يطلق شعارات استنكارها الجميع.


اقرأ ايضاً: خذلتني الجهات فما عادت يداي مبسوطتين للريح
 

ماحدث في دوما البارحة صباحاً في سوقها الشعبي يرقى لمستوى المجزرة بامتياز من سلسلة موت متصلة ومنفصلة لأعداد كبيرة من المدنيين تجاوزت المئة، و الإصابات الحرجة التي تعدت الثلاثمائة.من رحل في سوق الموت، هم الباعة،و الأطفال، ومن يتسوق لشراء بعض الخضار والإحتياجات البسيطة الحياتية .. بالمختصر هم "الدراويش".

اختلطت صرخات الأمهات بنحيب الآباء و أنين الأطفال، وبكت الأرض دماً،وفتحت فاه قبرها الجماعي الكبير ليلفظ باقي تلك الأجساد المتعبة، التي مازالت أصواتها تملأ الساحات المقفرة، تمزق الرسائل القديمة، تكتب رسالة جديدة تحملها وتحلق بها بعيداً عن المقبرة الجماعية.
 

الكل يبيع ويشتري بك و أنت تلتبس بك الراية فتتوه بين الرايات، وتبايع إمارة الوهم من أجل "غنائم مؤقتة".

في سوق الموت السوري الكل يتقن البيع والشراء، أنت رقم، ستتعود يوماً ما كما تعودت دائماً على أشياء قد تكون أصعب بكثير و أنت لاتدري، و الكل يبيع ويشتري بك و أنت تلتبس بك الراية فتتوه بين الرايات، وتبايع إمارة الوهم من أجل "غنائم مؤقتة".

كل شيء مقنع وكاذب لحد العدم في هذا السوق المفتوح على مصراعيه على امتداد الخارطة الملتبسة أيضاً، الكل يغادرك، الكل يغدر بك، وحده الموت يبقى صديقك الوفي. رفيقك الأخيرالسوق للموت،لا يحصل في السوق فقط .. هو الفعل الأكثر تداولاً وتجاوباً وأنت تبتسم مستسلماً.
 
اليوم ظهراً يرافق الموت أصدقائه الجدد في اللاذقية إثر سقوط صواريخ , ويعرف كيف يكون وفياً، وعلى سبيل الاحتياط يفضل أن نقوم بالوداع كل لحظة لأننا هنا في تلك الأرض "سنموت بعد قليل" ..  قد نموت بنيران صديقة، أو مضادة الصديقة.
 

اقرأ أيضا: دوّار الزراعة في اللاذقية يحرثُ عُريهُ باللافتات بعد الصرخة البكر
 

 عندما يأتي البعد قليل وأموت؛ لايهمني من الفاعل، أعرف أن الدم السوري توزع بين القبائل. ولكن طالما نحيا قد نستطيع أن نتهجى مفردات الكون أفضل عسى أن نعيش الحياة الحياة ولو ساعات.

أعرف أنني أحلم ولكن سنحاول, قد نكسب شرف المحاولة ولسان حال السوري يقول كما "إميل سيوران"': (أنا الغريب الذي تكرهه الأشياء، أنا الجندي الغبي الذي وقع في مدينة الأعداء، أنا التائه بلا حدود، أنا عدم سقط في الوجود).

سوق الموت السوري باق ويتمدد، طالما مازلنا ندخل في حرب الكلمات، والتباس التسميات والتعاريف .. والسوق للموت في بازار الحرب شلال لا ينتهي إلا بصرخة حياة الحياة.

 

اقرأ أيضاً: مع السلامة

رابط مختصر:



مشاركة



شاركنا برأيك

اختيارات القرّاء