روزنامة جميلة

حنان فهد | الخميس 24 آذار 2016 | 8:16 مساءً بتوقيت دمشق

مشاركة

"اليوم الثلاثاء" هكذا قال الآخر الذي يسير بعيداً، نعم فهو يجيبه على ذلك السؤال المتكرر ما هواليوم يا...؟!

كان مستسلماً لروزنامة وقت هذا الآخر الذي يجيبه دائماً بشكل آلي ويتابع عمله أوسيره نحو أسبوع مختلف. لا يعرف لماذا كان لايجادل في صحة المعلومة، حتى أنه نسي أو تناسى اسم ذلك الذي يجيب دائماً.

مسرعاً، يقود تلك السيارة الأثرية، ولطالما قالوا عنها المستحاثة، مثل كل الأشياء التي يقتنيها لايفكر بالاستبدال.

يخفف سرعته قبل الحاجز العسكري بقليل، مثل فعل انعكاسي تعود عليه، يمر التفتيش بسرعة، الهوية وطبّون السيارة المليئة بالكتب، وأكياس كبيرة سوداء تستخدم للقمامة كان قد وضع فيها كل الصور التي يقتنيها منذ الطفولة، ألبومات ملقاة هنا وهناك في الزوايا..

يمسك العسكري وهو شاب لم يكمل العشرين صورة في إطار قديم، قائلاً : ياعم الصورة مبلله، رطبة، هيا ضعها على المقعد بجانبك.

يضع الصورة، كانت ابتسامة جميلة تجتاح المكان، ضحك خلسة في وجه العسكري، واجتاز الحاجز وهو يدندن "هللا هللا ياجملو ياعشيرة زماني".

بعد قليل حاجز آخر ... وآخر، منذ أكثر من خمسة عشر عاماً وهو يتخذ قراره بترتيب الصور والكتب والأوراق المتناثرة..

كانت فوضاه جميلة، وكانت "جميلة" جزء من الوقت المتوقف في نقطة بعيدة حتى خيل إليه أنها "سرّة الكون".

عاد ليتسائل عن اليوم والساعة، لكن الآخر الذي يسأله كان بعيداً، وضع السماعات في أذنيه واتصل وانتظر على جمر الزمن الأبتر، ثم قال بهدوء مصطنع: كيف الحال يا سالم.. ما اليوم وكم الساعة؟

يستمع للإجابة بدهشة منتصر.. حاجزٌ آخر يوقف المكالمة.

يتابع مسيرته في تلك المستحاثة نحو بيت القرية، بضع كيلو مترات عن مدينة جبلة، صورة جميلة الرطبة بالمواعيد والحب والحلم كانت تجلس في المقعد المجاور، يربت برفق على الإطار، ويمسح وجهها الرضي، ما تزال تقاسيم صوتها المتهدج تتراقص في أذنيه، للصوت ذاكرة الأماكن ورائحة الزمن.

الطرقات العامة والفرعية بدأت تستقبل الغزو الجديد! صور وإعلانات مرشحي مجلس الشعب المفترض .. شعارات غبية في جوقة أغبى وكأن شيئاً لم يكن.. اللوحات الانتخابية تقضم طراف النعوات.

الطريق يقصر ويضيق ولا يرى من نافذة سيارته المفتوح لنسائم الربيع الأولى غير الكهول يسيرون وهم يحملون تعباً علئ تعب خسارات أبنائهم.

يصل القرية، يوقف سيارته تحت شجرة الجوز المستعدة مثل مارد يحضن الفكرة والذكرى ونواة الأخضر والبني، ولطالما أمسكت "جميلة" الجوز الأخضر وفركت يديها وشفتها، ليزهر فيهما الحناء، ويتوجها ملكة للفرح.

دلف المنزل المهجور، الطبيعة تتبرعم حوله، وفي داخله حلم أبتر يبتسم وهو يقوم بحمل أكياسه المليئة بالصور، يتمتم: أخيراً، بعد خمسة عشر عاماً سأرتب زمني، سأنضد الوقت، و أجدل خيباتي سلاماً!

يضع الأغراض على سريره القديم .. يقهقه السرير ساخراً منه، هو يعرف أن لكل شيء روح، وعلى الحائط المجاور للسرير كانت بقايا ملصقات ورقية لبرامج وبرامج لتنظيم حياته، يلتزم فيها في الساعة الأولى فقط غالباً، حتى الحماسة تحتاج للحماسة!.

يقفز فوق سريره وهو مازال يلبس، حذاؤه يأكله الغبار المتصاعد من تلافيف ذاكرة المكان. يغمض عينيه، تلوح له "جميلة" ترتدي فستانها الأبيص الطويل في حقل النرجس، يقول وهو يختصر الكون في تلك الإغماضة: سأزور قبرك يا جميلتي و سأحيطك بالنرجس.

يخترق صمت ذاك التجلي، رنّة موبايله، يجيب وهو مضطرب، يقولون له مشكلة كبيرة في العمل! يقف مسرعاً، يضحك السرير والجدران والبرامج، تبكي الصور والأوراق في تلك الأكياس السوداء، قمامة ذاكرة وذكريات؟! قهر التأجيل والتسويف والشعارات؟

ينتقل بسيارته المستحاثة، شجرة الجوز تنظر لائمة هو لا يريد أن يرى، الطريق عاد ليضيق ويطول.. والشعارات المقززة تظهر عري الروح، تمر الجنازات مع هستريا الرصاص والزغاريد، مثل فعل اعتيادي ممجوج، كل شيء فقد المعنى إلا صورة "جميلة" التي تبتسم في المقعد المجاور.

يمسح بيده اليمين جبينها، ويقسم أنه شعر بحرارته و مفردات قسماته.. يقول: لم يبق معي إلا تلك الصورة، غداً سأعود لأرتب أشيائي.

يصل إلى المكان، كان الوقت عند المغيب، كان الآخر يسير بعيداً عنه، لكنم عاد ليقول: ماهو الوقت ياهذا؟ ماهو اليوم؟!

بجيب الآخر بصوت عال بلامبالاة واضحة: اليوم الخميس والساعة العاشرة صباحاً

يستسلم هو لروزنامة الآخر وميقاته، و لم يعرف اسمه حتى الآن قد يكون "سالم" كما خُيّل له أو أي شيء..

كانت الشمس تغيب الساعة العاشرة صباحاً! والثلاثاء أصابته حمى الخميس!، وهو مازال يخطط ويبرمج لزمن مختلف!. تزداد الحركة من حوله، يقول له أحد العمال: لماذا عدت يا أستاذ؟

يرد غاضباً: هل أترك العمل للريح و المشكلات؟

اليوم الخميس و... النهار بأوله و....

كان يتكلم لوحده و الكل كان يغادر المكان، تم المغيب بجدارة و بدأ اجتياح الظلام.

كان يتابع سرده المضني، وخططه وبرامجه..

وكانت خطوات المغادرين تمشي فوق صورة جميلة التي سقطت سهواً على أرض الحورات الخرساء..

الصورة وجهها للتراب يحكي بصمت، تحطم الإطار وجبلت خلايا الصورة مع طين البرامج، وهو مازال يتكلم حتى الآن والنرجس هو الشاهد والشهيد.

رابط مختصر:



مشاركة



شاركنا برأيك

اختيارات القرّاء