رحلة تشكّل جلال الدين الرومي

أحمد العقدة | الاثنين 22 شباط 2016 | 7:5 مساءً بتوقيت دمشق

مشاركة

مرّ جلال الدين بعدة انعطافات في حياته أدت إلى وصولهه في النهاية إلى ماوصل إليه. تبدأ تلك المراحل من هجرته القسرية من بلدته بلخ،  ثم رحلاته في العالم العربي، مروراً بتربيته المعنوية على يد صديق والده "الترمذي"، وصولاً إلى معلمهِ الأكبر شمس الدين التبريزي الذي كان بمثابة نقطة التحول الأبرز في حياته.

ففي القرن الثالث عشر بدأ الغزو المغولي على يد جنكيز خان يكتسح العالم. هذا الغزو كان يدمّر الحضارة الإسلامية في رقعةٍ من الأرض، من جانب، ومن جانبٍ آخر كان يغّذيها في رقعةٍ أخرى، إذ لجأت مجموعات هائلة من أهل العلم والمثقفين إلى بلاد الأناضول حيثُ "دولة السلاجقة". وكانوا روّاداً في تطور الحضارة الإسلامية.

وُلد محمد جلال الدين سنة 1207 في مركز الثقافة ببلخ، من منطقة خراسان التركستانية، الواقعة داخل حدود أفغانستان الحالية، تماماً في قلب الغزو المغولي الذي وقعَ آنذاك.

دمشق .. حلب .. قونية 

كان والده "بهاء الدين ولد" من العلماء المعروفين في عصره، وكان المرجع الوحيد للفتاوي الصعبة في بلاد خراسان، وكان لمواعظه ودروسه آثار قوية في بيئته. وعندما قرر سلطان العلماء الهجرة من بلده "بلخ" مع أسرته بسبب الغزو المغولي، كان محمد جلال الدين في الخامسة من عمره.

انطلق الركب نحو الكوفة رويداً رويدا .. سيؤدي مناسك الحج ثم يواصل سيره، توجهوا من مكة إلى المدينة، ومن هناك إلى الشام في حلب ودمشق.

 حلب ودمشق ليستا محطتين عابرتين في رحلة تشكّل الرومي. هاتان المدينتان زارهما أكثر من مرة خلال مسيرة حياته، وفي أعمار مختلفة، سواء في مرحلة الطفولة المبكرة أو الشباب أو مرحلة النضج لاحقاً حيثُ سيعودُ إلى حلب ودمشق لينهل العلم على يد كبار العلماء.

كان الهدف إلى ديار الروم، حيث الأناضول، الديار التي ستطلق عليه لقب "الرومي". استقرت الأسرة في قرمان بعد رحلة استغرقت 13 عاماً، "علاء الدين كايقوباد" حاكم الدولة السلجوقبة التي كانت تحكم الأناصول آنذاك، دعا والده إلى قونية عندما سمع بشهرته، بعد استجابة والده لهذه الدعوة، حضر محمد جلال الدين مع أسرته إلى قونية في شهرأيار/ مايو ،من سنة 1228.

استقر بهم المقام في مدرسة "ألتون آبا" وسط مدينة قونية القديمة حالياً، التي خصصها لهم السلطان "علاء الدين". وبعد أقل من سنتين يتوفى والد مولانا، بعد أن خلّف وراءه ولداً صالحاً هو جلال الدين الرومي.

برهان الدين محقق الترمذي

مرّ عدد من المعلمين في حياة جلال الدين الرومي، بعد وفاة والده، منهم استاذهُ " برهان الدين محقق الترمذي" خليفةُ والدهِ وصديقهُ. وعلى الرغم من صغر سن محمد جلال الدين الرومي فقد كان السيد "تِرمذي" يعرفُ أنه عالم. ومع ذلك أرسل طالبهُ إلى حلب والشام مرّة أخرى ليزداد علماً.

هذه المرة سيمكث في سوريا سبع سنوات متنقلاً بين مدينة دمشق وحلب، تعلّم خلال تلك المدة اللغة العربية، وتلقى علوم الدين والفقه والصرف والنحو على يد العلماء البارزين.

بعد أن رجع جلال الدين من الشام، جلس أمام أستاذه الترمذي مرّة أخرى، وهكذا تمضي السنون، ومامن سنة تمضي إلا وتجعل "جلال الدين" أكثر نضوجاً، يطمئن مرشده غاية الاطمئنان، فجلال الدين أصبحَ من أهم الفقهاء والعلماء في عصره، ولما اقتنع الترمذي ان مهمته انتهت، فيغادر قونية ويعود إلى مدينته "قيصري" وسط تركيا.

طُلابهُ كانوا يزدادون حولهُ يوماً بعد يوم .. فقد أصبح "الرومي"، لبلاد الأناضول .. و "مولانا" جلال الدين" لطلابه، لكن عروجه في العالم المعنوي لم ينتهِ بعد. لتأتي المرحلة الأهم في حياة الرومي، وهي فترة معلّمه شمس الدين التبريزي.

 شمس الدين التبريزي

يُعتبر شمس الدين التبريزي نقطة التحول الهامة في مسيرة حياة جلال الدين الرومي، إذ تركَ الرومي الفقه والإفتاء بعد التقائه بشمس، وبدأ مذهبه في العشق الذي أوصله إلى العالمية. 

خرجَ شمس الدين التبريزي من مدينة تبريز، وطافَ العالم الإسلامي بحثاً عمن يعلمه العشق. وحطت به الرحال في قونية .. كان يبحث عن شخص فارغ تماماً حتى يملأه بالعشق. ولدى وصول شمس الدين التبريزي، كان جلال الدين مدرساً يلقي الدروس على طلابه، وخطيباً محبوباً بمواعظه في المساجد، ومفتياً لعامة الناس يحلُّ  لهم بفتاواه مشاكلهم الشرعية.

لكن جلال الدين الرومي، أصبحَ بعيداً عن كل أحد وبعيداً عن كل شيء، يقضي معظم وقتهِ بصحبةِ شمس الدين التبريزي. وبعد مجيء شمس، بدأ جلال الدين الرومي، يترك الفتاوي و الاختلاط بمريديه، الأمر الذي أثار حفيظة أهالي قونية، الذين حرموا من شيخهم الأبرز.

ازدادت الشكاوى من أهالي قونية، وكثر اللوم، بحيث أن البعض هدّد شمس الدين بالقتل، فقرر فوراً ان يغادر البلد، دون أن يعلم به أحد .. لم يكن أحد قد شاهد قدومه إلى قونية، ولن يشاهدهُ احد حين خروجه.

بعد بضعة أشهر يأتي خبرٌ عن شمس، إنه في الشام، يرسلُ ابنه السلطان ولد ليحضر شمس الدين. وفي روايةٍ أخرى تقولُ أن جلال الدين الرومي يذهب مع ابنه إلى الشام، ويبحث عن معلّمه شمس.

 في شهر أيار من عام 1247، شمسُ الدين التبريزي، يأتي أخيراً، و جلال الدين الرومي يستقبلهُ، وينغلقُ الباب رويداً رويداً، تبدأ المحبة والصحبة من جديد.. والقيل والقال أيضاً. 

يغيبً شمس الدين التبريزي ليلاً مرّة أخرى من نفس العام، ومنذ ذلك الحين لا يوجد لهُ أثر .. ولا تحسم كتب التاريخ حتى الآن، فيما اذا كان اختفى أو قُتل.

دخل الرومي في حالة حزن شديد بعد اختفاء معلّمه شمس الدين التبريزي، وقد كانت تلك الحادثة سبباً في نشوء الرقصة المولوية (رقصة الدوران) أو السيما كما تسمى بالتركية، كما سنرى في المقال التالي.

رابط مختصر:



مشاركة



شاركنا برأيك

اختيارات القرّاء