حكايتي مع رابطة الصحفيين السوريين

أحمد العقدة | الاثنين 3 آب 2020 | 10:45 صباحاً بتوقيت دمشق

مشاركة
الصورة أثناء العمل من مكتب توثيق الانتهاكات في حي طريق الباب / حلب 2013

نصحني كثير من الأصدقاء والمحبين بالابتعاد عن الرابطة ومشاكلها، كانوا يقولون: مالك ومالهم .. فخّار يكسّر بعضه. خاصةً وأنهم يعرفون أني لم أشغل أي منصب وظيفي أو إدراي فيها في حياتي، كما لم أرشح نفسي في أي انتخابات. ولا مكتسبات عندي كي أدافع عنها.

الإجابة على هذا السؤال قادتني لكتابة هذا المقال:

*تأسست رابطة الصحفيين السوريين عام 2012 وانضممتُ لها عام 2013. في ذلك الوقت كانت عبارة عن مجموعة افتراضية على "فيسبوك" دون أي ترخيص أو وجود فيزيائي على الأرض. كانت كياناً يجمع الصحفيين الذين وقفوا مع قضية الشعب السوري وانحازوا للثورة.

... 1 ...

انضممتُ بدعوة من أصدقاء كنا ندرسُ معاً في الجامعة "عامر مطر، عماد خورشيد، محمود الزيبق.." وآخرين. ومنذ اليوم الأول لدخولي كان هناك سؤال عن متطوعين لـ "لجنة الحريات" المختصة بتوثيق الانتهاكات ضد الصحفيين. كان عددُ أعضاء الرابطة قليلاً والعمل كثير في مرحلة التأسيس.

كنتُ في حلب وكانت الانتهاكات على أشدها في تلك الفترة (النصف الثاني 2013) بعد إعلان تأسيس الدولة الاسلامية في العراق والشام واستهداف خلاياها للاعلاميين. إضافةً إلى انتشار خلايا النظام في جميع المناطق المحررة. ناهيك عن بداية الانتهاكات أيضاً من مجموعات محسوبة على الجيش الحر. الجميع لا يحبُ الاعلاميين في مدينةٍ تشهدُ أكبرَ عددٍ من الناشطين الاعلاميين يفوقُ الموجودين في كل سوريا.

كان العملُ كثيراً يحتاجُ إلى مجموعاتٍ من أجل التوثيق. وخطيراً أيضاً، إذ أن أولى الانتهاكات هو التصفية الجسدية، ناهيك عن الاخفاء القسري والاعتقالات مجهولة المصدر التي طالت إعلاميين كنتُ أسهرُ معهم كل يوم، ويعرفون طبيعة عملي في توثيق الانتهاكات لأني كنتُ أسألهم عن كل حالة سابقة وأحاول الوصول إلى عائلتها لأخذ تفاصيل دقيقة.

في تلك الفترة كنتُ أشاركُ كل شيء أولاً بأول في مجموعة "أعضاء رابطة الصحفيين السوريين" في فيسبوك التي تشهدُ الآن مع الأسف أسوأ موجة تشبيح رخيص في تاريخها. ولم يكن أحد يعلمُ أو يكترثُ لطبيعة العمل وخطورته باستثناء رئيس اللجنة (حسين جلبي) ورئيس الرابطة (رياض معسعس). بل على العكس كنتُ أصغر عضوٍ في الرابطة حينها وكان بعض الاعضاء يحتجون على نشر صور مؤذية في المجموعة ويقولون مامعناه: "انت ماعندك غير أخبار القتل للصحفيين"! (لاتزال تلك المنشورات والتعليقات موجودة في المجموعة إلى يومنا هذا).

مع بداية عام 2014 اضطررتُ للخروج من حلب بعد أن استهدفت "داعش" مقراً للاعلاميين كنا نجتمع فيه في حي طريق الباب. كانت بيتاً عربياً متواضعاً يعملُ منه مجموعة إعلاميين منهم "رأفت الرفاعي، عابد ملحم، عبد الوهاب الملا.. وآخرين". كان بمثابة ملتقى الاعلاميين وكان ليلاً نهاراً كخلية عمل خاصةً مع توفر الانترنت الفضائي فيه. كنا أصدقاء وكل شخص يعمل مع جهة مختلفة. والبعض كان يعمل "فيكسر" أو دليل للصحفيين الأجانب القادمين إلى حلب.

قبل الخروج من حلب إلى تركيا، كانت الانتهاكات قد طالت عدداً من الذين يترددون على "بيت الاعلاميين" أبرزهم عبد الوهاب الملا، وميلاد الشهابي، وأحمد بريمو، ولؤي أبو الجود، وآخرين. كان الاعلاميون يختفون واحداً تلو الآخر لاسيما بعد الحماقة الكبرى التي اقترفناها وهي "تأسيس اتحاد للاعلاميين في حلب" في اجتماعٍ مصوّرٍ وبيانٍ يحوي أسماء المؤسسين المشاركين (حوالي 150 ناشطاً اعلامياً). صارت الاستهدافات بعدها ترتفع بوتيرة أسرع.

أبلغتُ الرابطة بأني لم أعد قادراً على الاستمرار في توثيق الانتهاكات من حلب نظراً لخطورة الوضع. لاسيما بعد اعتقال أربعة من أصدقائي الذين يعرفون جيداً طبيعة عملي. واني سأنتقلُ إلى عنتاب من أجل استكمال التوثيق من هناك اعتماداً على علاقاتي مع ناشطي حلب. 

كانَ العملُ مُرهقاً وخطيراً. وأذكرُ مثلاً في تقرير عن شهر تشرين الثاني 2013 أنه بلغ ذروته وأسمينا التقرير (شهر أسودٌ على الاعلاميين في حلب) وقد تلقفت التقرير كبرى وسائل الاعلام التقرير والمنظمات المعنية بالاعلام. وتم انجاز حلقة على قناة بي بي سي العربية حول استهداف الاعلاميين في سوريا، انطلاقاً من التقرير.

في تلك الفترة أرسلَ لي الدكتور رياض معسعس طالباً حضوري إلى اسطنبول من أجل الادلاء بشهادتي عن واقع الانتهاكات بحق الاعلاميين في حلب وريفها في اجتماع ضم عشرات المنظمات والمراكز المعنية بعمل الاعلاميين (فري برس، مراسلون بلا حدود،.... وغيرها). وبدأ الحديث بعدها عن دعمٍ وشيك آتٍ للرابطة وللجنة الحريات بعد أن تم ترخيصها كجمعية في فرنسا بجهود وعلاقات الدكتور رياض معسعس الذي كان يدفعُ من جيبه تكاليف مرحلة التأسيس وكان الجميع على علمٍ بذلك.

ومع وصول الدعم إلى الرابطة فعلياً، وإعلان الوظائف في لجنة الحريات التي ستتحول إلى مركز مختص بتوثيق الانتهاكات. رفضت التقدم على أي وظيفة لأني أملك مصدر دخل من عملي الاعلامي (مع أني أكثر الأعضاء خبرة في التوثيق حينها) وقلت أترك المجال للزملاء العاطلين عن العمل للاستفادة. بعدها بأشهر قمت بالانسحاب من الرابطة احتجاجاً على إجراء إداري بحق أحد الزملاء الذي لم أكن أعرفهُ قبلاً. ومع أني كنتُ بمثابة "الطفل المدلل" للدكتور رياض معسعس كوني أصغر أعضاء الرابطة سناً وقابلتهُ شخصياً بعد أن دعاني إلى اجتماع اسطنبول، لكني كنتُ أرى القرار الذي أصدرهُ مجحفاً. لكنهُ كان يصرُ على عدم تسجيل سابقة في الرابطة. ولم أكن أعي هذه الجملة جيداً (الوقوف ضد تسجيل سابقة قانونية) لكني سأتعرفُ عليها جيداً في حادثة أخرى لاحقاً.

لم أكن أفهمُ سبب الخلافات التي صارت تعصفُ بالرابطة من كل حدب وصوب تزامناً مع وصول الدعم. وفضّلتُ الانسحاب منها نهائياً بدلاً من التقدم إلى أي وظيفة.

... 2 ...

بعد خروجي من الرابطة كانت هناك دعوات من المنسحبين ومن بينهم علي عيد لتأسيس رابطة جديدة بعد الخروج، ورغم أني من المنسحبين في نفس الفترة لكني لم أنضم إليها أو أسأل عنها حتى. أذكرُ أن أكثر من زميل تواصل معي لكني رفضت. فضّلتُ الابتعاد تماماً والتفرغ للعمل. وبقيت كذلك سنوات.

كانت تصلني أحياناً بعض المشاكل عنها من الوسط الاعلامي، لاسيما بعد المفاجأة بوصول علي عيد إلى رئاستها (المُنسحب الذي كان يؤسس لرابطة جديدة!) وبدأتُ بعدها أسمع بأسماء تقود الرابطة، بعضهم أعرفهم وكانوا موجودين في مرحلة التأسيس لكن دون أي إسهام أو تطوع يُذكر. والبعض الآخر لا أعرفهُ أبداً. 

عام 2017 جرت حادثة ستؤدي لعودتي إلى الرابطة من جديد. بعد أن قامت حملة كبيرة ضد إدارة الرابطة في مواقع التواصل نتيجة تعديلها نظامها الداخلي من أجل الدخول في الفيدرالية الدولية. كنتُ أرى سيلاً من المنشورات تتحدث عن أن الرابطة أزالت بند "إسقاط النظام" من نظامها. وكنتُ قد غادرتُ الرابطة قبل 3 سنوات ولم أعد أعرف عنها شيء.

بعد يومين على استمرار الحملة كتبتُ منشوراً انتقدتُ فيه إزالة الرابطة بند اسقاط النظام من ميثاق شرفها. وختمتُ منشوري بـ احكيها صح إذا فيها شرف. أثارَ الأمر سخط بعض الاصدقاء الأعضاء الذين تواصلي معي طالبين حذف المنشور لأنهُ قد يفسّر بطريقة ما تسيء لكل الأعضاء خاصةً وأن الأمر ليس بهذه الصورة. وفعلاً حذفتهُ بعد أن شرحتُ أن مقصدي من الجملة. وتمت دعوتي مجدداً للانضمام إلى الرابطة. ووافقتُ كي أثبت لهم أن ليس لدي موقفٌ منها ولا من أعضائها.

بعد سنةٍ ونيفٍ تمت الموافقة على الطلب الذي قدمتهُ نتيجة تجاهله (عمداً) من أحد الموظفين، بحسب ما أخبرتني لجنة العضوية حينها. وفعلاً دخلتُ إلى الرابطة مرة أخرى عام 2018 مع إضافة 6 أشهر أقدمية نتيجة التأخر في دراسة الطلب.

دخلتُ إلى الرابطة كأني لا أعرفها. كانت في تلك التي يسمونها "مرحلة حرجة" تماماً: (اتهامات، تخوين، مظلوميات، حروب، لجنة حكماء، منصب السكرتير، مشاكل موظفين، استراتيجية خروج، اتفاق اسطنبول، صراخ، شتائم ...) كانت الأجواء مسمومة وسيئة جداً.

ندمتُ على اللحظة التي دخلتُ فيها مجدداً، وألغيتُ متابعة المجموعة بعد النظرة الأولى. تاركاً وراءي سحباً من الدخان والاحتجاجات على إدارتها والموظفين. سيستمرُ التجاهل على هذا الحال، ولن يكون لي أي وجود بأي كلمة أو حرف في الرابطة، حتى الانتخابات المبكّرة التي ستحدث عام 2020.

... 3 ...

لايحتاج الأمرُ فصلاً طويلاً من الشرح، في الانتخابات وقفتُ مع الوجوه الشابة الجديدة أملاً بتغيير حال الرابطة. منذ ذلكَ الوقت أصبحتُ هدفاً لشتى أنواع التشبيح من قبل الإدارة السابقة التي كانت تقود الرابطة طيلة أربع سنوات من غيابي بمنطق: إما معي أو ضدي.

وهكذا وجدتُ نفسي فجأة وسط دوامة من الاتهامات والاضطرابات، منذ بداية الانتخابات حتى نهايتها. وبعد أن وضعت الانتخابات أوزارها، وأسفرت عن الخلاص من الإدارة القديمة التي كانت تحكم الرابطة لدورتين متتاليتيين، تفاءلنا خيراً بوصول الإدارة الشابة الجديدة،  وقلنا أخيراً ستقلع الرابطة من جديد.

لكن ماهي إلا أسابيع قليلة حتى نفّذت الإدارة القديمة انقلاباً على الإدارة المنتخبة. وعدنا إلى دوامة الاضطرابات والاتهامات من جديد. ولا أريد الخوض في تفاصيلها هنا، فقد سال الكثير من الحبر في شرح ماحدث.

منذ ذلك الحين، تجنّب كثير من أعضاء الرابطة الدخول في الاضطرابات. لكني كنتُ أجد نفسي في عين العاصفة دوماً، ذلكَ أني لم أفهم منطق التخلّي هذا. فنحن لم نصمت على بشار الأسد حتى نرضى بالرضوخ لانقلاب على أصواتنا.

للأصدقاء الأعزاء الذين ينصحوني بالابتعاد، هذه قصتي مع الرابطة بايجاز. في لحظات قنوط أحياناً أتمنى لو أستطيع أن أكون مثلكم. لكن بكامل العفوية والطفولية والاندفاع وروح الثورة أقول: أنا لم أعتد السكوت عن الحق مهما كلفني الثمن، لا أستطيع أن أكون شيطاناً أخرس. ليس كل شيء يقاس بالمكتسبات. الموضوع مبدأ.

روابط مهمة:

  1. - استضافة على قناة بي بي سي العربية لتغطية الانتهاكات بحق الصحفيين السوريين اعتماداً على تقرير من لجنة الحريات

  2. - تقرير لـ قناة الجزيرة عن خروج الاعلاميين من حلب نتيجة استهدافهم بناءً على تقرير من لجنة الحريات

  3. - صورة أثناء العمل التطوعي من مكتب توثيق الانتهاكات في حي طريق الباب من حلب

رابط مختصر:



مشاركة



شاركنا برأيك