جوزيه ساراماغو و ‫‏انقطاعات الموت (2) .. النقّاد

حنان فهد | الخميس 11 شباط 2016 | 11:37 مساءً بتوقيت دمشق

مشاركة

يؤكد نقاد أدب "ساراماغو" باللغة البرتغالية أنه من الصعب وضع حد فاصل بين إبداعه وأفكاره خاصة" تلك التي من خلالها رأيه في عالم اليوم الذي يؤكد أنه يعيش لحظة من أحط لحظات التاريخ البشري لذلك يصفه أحدهم بأنه "مقاوم لايقبل التصنيف" وأعماله الأدبية تسبح ضد تيار التدمير عبر التجريد وحزبه الذي ينتمي إليه فكرياً حزب الرافضين للرؤية أو الإحساس عبر الأخرين حزب الفرد الذي يرى ويشعر عبر رؤيته الخاصة ومن هنا تنبع أهمية كتابيه "بحوث عن العمى"، "كل الأسماء".

وإن كان هناك من يتساءل عن وضعية "جوزيف ساراماغو" هل هو كاتب مبدع أم مناضل؟ فإنه يمكن العودة إلى ما قاله "‏ألبير كامو":

"ليس النضال هو الذي يدفعنا إلى أن نكون فنانين بل إنه الفن الذي يفرض علينا أن نكون فنانين بل إنه الفن الذي يفرض علينا أن نكون مناضلين و "ساراماغو" كان فتى فقيرا عاديا وعندما قرر أن يكون كاتباً حقيقياً وجد نفسه مدفوعا إلى أن يكون مناضلاً لأن الإبداع التزام.

ساراماغو والقضية الفلسطينية

من يعرف هذا الكاتب البرتغالي وقرأ اعماله وتابع نشاطه السياسي والاجتماعي يعرف أن الرجل كان دائماً صادقاً مع نفسه قبل أن يكون صادقاً في مواجهة الأخرين لذلك فهو وإن كان يتقبل النقد الأدبي بروح سمحة باعتبار أن للنقاد بل وللقراء أيضا حق النقد لكنه لا يقبل التشكيك في رؤيته للعالم التي يعبر عنها من خلال آرائه حتى لو تعرض للنقد الجارح وربما من أبرز المواقف التي تعبر عنه ما حدث بعد زيارته للأراضي الفلسطينية المحتلة على اثر مذبحة جنين التي وصفها بأنها الجريمة البشعة وإنها لا تقل بشاعة" عن "‏اوشفيتز" التى بنت عليها إسرائيل أسطورة وجودها ورد على منتقديه وقتها بأنه يفضل أن يكون ضحية كالفلسطينيين عن ان ينتمي الى معسكر القتلة.

موقفه هذا قد جاء بعد الزيارة التي قام بها مع عدد من أعضاء، برلمان الكتاب الدولي، ليعلنوا رفضهم للممارسات العنصرية الصهيونية، بعد أن راعهم صمت الساسة المربب على كل الأصعدة

هذه الصدمة التي أحدثتها تصريحات ساراماغو في إسرائيل وبين مؤيديها كشفت عن جهلهم لموقف الرجل، فهو لم يكن يوما" ما من هؤلاء الذين اعتادوا الابتعاد عن الصدق في التعبير لا في وطنه ولا في خارجه.

حتى خلال تسلمه لجائزة نوبل، كان خطابه من أجرأ الخطابات التي اعتاد جمهور نوبل أن يسمعها من الفائزين بها كل عام والتي لم تكن تخرج عن التعبير عن السعادة بشرف الفوز بها وتبجيل صاحبها.

وحاول الساسة في اسرائيل أن يقولون إن تصريحات ساراماغو قد أسيء فهمها، أو اقتطعت الكلمات من سياقها

لم تمص ساعات حتى أكد الكاتب البرتغالي في حوار مع صحيفة (الباييس) الاسبانية بالهاتف وهو مازال في فندقه في تل أبيب، لعله ينفي أو يتراجع، أو يحاول التملص من كلماته، فما كان منه إلا أن أكد من جديد كل كلم قالها في اتهامه إسرائيل بممارسة حرب إبادة ضد الفلسطينيين، كانت تعني ما تتضمنه وأنه فكر كثيراً في هذه الكلمات، واعتنى باختيارها قلل الإدلاء برأيه

"انقطاعات الموت" وجائزة نوبل

"انقطاعات الموت نص نضر، غض مشمس" لم يقدم أحداً هذا الوصف لنص روائي من قبل، ملهم للنفس لأنه ينزع تدريجياً قشرة الإنسانية الرهيفة وأقنعتها المتعددة، ويضعك بقسوة في مستنقع الإنسانية الموحش المتوحش ذي المخالب والأنياب، تصبح البهجة الظاهرة دهش أولاً، فسؤالاً ثم معرفة طاحنة مقلقة

يجعل ‏ساراماعو الوحش الذي يقيم في أعماقك يظهر ويفتح جناحي سروره ويمارس في العلن وضاعته وخسته

تتساءل وأنت تقرأ؛ من أين يأتي ساراماغو بكل هذه القدرة على التحقير من شأن الكائن

لدينا في الواجهة نص روائي يحضر فيه الراوي في بداية بعض الفصول ليلخص ما سبق أو ليعرض أمرا" أو ليبسط موضوعا" أو ليعمق فكرة فلسفية، أما في الخلفية فيعرض المرأة والرجل وهما يقتلان بدم بارد.

يعرض المجتمع وهو يشعر بالألم لأن كبار السن لا يموتون كما قضت العادة، يعرض مشهد الجنة الخلفي، حيث الحياة الأبدية مأساة حقيقية، وعذاب ما بعده عذاب، لا معنى لشيء اسمه الحب، لا معنى للأبوة أو للأمومة، أو للإحساس، كل شيء في ميزان المجتمع تجارة ومرابح

وهي مع ذلك رواية موجعة، متعددة الأصوات، تستفيد من التاريخ البرتغالي بتهكم قل أن تجده في نص آخر بهذا التمكن

يستعمل فيها ساراماغو (علبة أدواته) كلها مرة واحدة ويغرس فؤوسه الحادة في لحم الحضارة الفاسد

ويناقش السياسيين ويكشف قذاراتهم ولعبهم على كل الحبال لضمان بقائهم وتوظيفهم لكل وسيلة مهما كانت من إعلام أو جيش. حتى المافيا نفسها، المهم بقاء الحكم وبفاء السلطة.

ويعرض خطاب "موظفي الله" المتهافت الذي يدعي إدارة المقدس وتصريف الأصول، وهو في كل ذلك مستفز وجريء

يطرح الكتاب أسئلة لا حصر لها في علاقتنا بالزمن، إننا نموت دائما" في الأخير، ماذا لو توقف الموت عن قتلنا؟ ما معنى الموت أصلاً؟ ولماذا نموت؟

في الرواية يتوقف الموت عن القتل ولا نجد لمدة الأشهر السبعة التالية في أي مكان ذكر الوفيات، الناس كالعادة في حظيرتهم هادئون، لا شيء يدعو إلى الذعر.

ولكن الأسئلة تتعمق والناس يدخلون تدريجياً في القلق وتبدأ الحكومة في الخوف وفي إيجاد الحلول لهذه المأساة الضاغطة.

"الحبل يحيط بعنقنا" .. تقول إحدى الشخصيات، ما الذي تفعله الحكومة؟ ما الذي سيفعله رجال الدين؟ ما هو رد فعل الكنيسة؟

لا موت في الأنحاء للأسف، وإحساس الكارثة يتعاظم ويتعاظم

يبدأ ساراماغو يلعب لعبة التشويق. يقول على لسان أحد أبطاله: ((الموت هو السيد يعود أو لا يعود))

نتساءل؛ هل يكون الموت هو الحل لهذه الإنسانية الفاسدة؟ نقرأ صرخة إحدى الشخصيات: ماذا سيحل بنا الآن؟

ونشعر بأن الموت كان رحيماً بنا وهو يصبغ حياتنا بأحاسيس متنوعة منها الفقد ومنها الشوق ومنها الأسى، ونتحسر على نعمة الموت حين كان هناك أناس يموتون

يتحول الخلود إلى سجن أو إلى قيد أو إلى موضوع للمعاناة ضد توقف الموت عن عمله

نرى المجتمع بدون أقنعة، نعرف مشاكله، نصغي لما يحدث في القاع حيث الآلام هي فراشات حقول زرق ترافق الناس، الوجع في أصقاع والخوف في أقصاه والعلاقات داخل الأسر التي تصل إلى صور من البشاعة

تسيطر على الناس رغبة في قتل أقاربهم ممن تقدم سنهم يضجون بخلود العجزة

يتساءل أحد الأبطال؛ (الموت أفضل من هذا المصير)

وفي هذا القسم الجوهري من الرواية، يصغي الراوي إلى مؤسسات التجارة الجنائزية، وإلى مديري المستشفيات وإلى مسؤولي دور المسنين، وإلى مؤسسات الاتصال الاجتماعي، وإلى شركات التأمين.

ويصغي إلى المذاهب الدينية وإلى الفلاسفة أيضا" ... في تسيج ساخر، كاشف عن التناقض، يعري ما في النفوس من توحش وقذارة

هذا هو الإنسان، لا تغتر بقشرة الحضارة، فلا وجود في الداخل لغير القطران

الملفت موقف الكاردينال، وملخصه، أن نهابة الموت تعني عدم وجود انبعاث، وبدون انبعاث لا معنى لوجود كنيسة، ومعنى ذلك أن التاريخ المقدس في خطر

تقرأ كأنك تسقط في حفرة، لا ميول للأديان في غياب الموت، إذن السماوي نفسه بعيد، والدين مسألة أرضية، لا مستقبل بلا موت، يخترق ذهنك صراخ الكائنات "الموت أفضل".

(لا أريد ماء، أريد أن أموت)

الكاتب يمعن في العبث بنا وينافس يقينياتنا، فالموت لا ينتهي، يعود، رحمة بنا، عودة غريبة، لا يعود مخاتلاً، خوافاً كالمعتاد بل في وصح النهار مثل "جنتلمان" لا يطرق الباب بل يرسل قبل موعده بأسبوع رسالة تخبر بموعد وصوله

هي فرصة لهندسة الحياة الفردية من جديد

بعد قراءة هذا الكتاب أنت لست الشخص الذي كنته قبل القراءة.

إن الموت والحياة شقيقان، لكنك لم تكن تستثمر المأساة والكارثة في غياب الموت مرة واحدة وإلى الأبد.

كنت تعرف أنك مستغل، لكن وأنت تقرأ، ستعرف أنك كنت دوماً نهباً لأنذال سرقوك باسم الله وباسم القيم وباسم الموت أيضاً، ومارسوا ضدك نذالتهم كلها.

بعد القراءة تستيقظ النمرة التي علموها النوم، في أعماقك، تنبت لها في الظلمة أنياب ومخالب وتنتفض

هذه الرواية واحدة من مراثي الموت الكبرى في تاريخ السرد.

الموت فيها يصبح منتهى آمال الناس وغاية غاياتهم.

يقول أحدهم ‏(إذا لم نمت فلا مستقبل لنا) يضجون بخلود لا يفهمونه ، وبجنة هي صورة أخرى لحياتهم البائسة، فيهرعون إلى الجحيم المحيط بهم حيث لايزال الموت يؤدي وظائفه ذاتها، حاملين آبائهم المسنين وأمهاتهم ومرضاهم ليموتوا، وهنا تحديداً يكشفون ما هم عليه في الحقيقة ،كومة حقارات ومخازي تمشي على قدمين.

الرواية صرخة في وجه القهر والاستغلال والفساد والمواصفات التافهة، ودعوة للتفكير في مصير الإنسانية التي غلبت عليها الحقارات بأنواعها.

انقطاعات الموت، ليس إلا معالجة فنية لموضوع الموت والخلود، وتذكير بأكثر حقائق حياتنا بداهة:

((يجب أن نموت لكي تستمر الحياة)).

 

اقرأ أيضاً: جوزيه ساراماغو و ‫‏انقطاعات الموت (1)

رابط مختصر:



مشاركة



شاركنا برأيك

اختيارات القرّاء