المدينة كنست كل المغنّين

حنان فهد | الجمعة 1 كانون الثاني 2016 | 9:38 مساءً بتوقيت دمشق

مشاركة

في التقويم, هو اليوم الأخير من عام مضى، أتلمس ساعاته المتبقية، تهتز أمامي شاشة العرض الصغيرة والكبيرة، لاشيء جدير بالمشاهدة.. البرد القارس يغري بالمكوث في المنزل، لكن ضجيج الواجبات تثقل كاهل السمع.

كل عام ننتظر بعضاً منّا، لكن لانطال من عنب الواقع إلا الحصرم، نتشظى ونحن مازلنا نحاول أن نحصل على شهادة حسن سلوك، يزداد عدد من يجب أن يوقعوا عليها باضطراد.

الزمن يقامر بذكاء، و أنا مازلت أتعامل معه بطوباية الفرسان .. الشارع مزدحم، محلات البالة (الألبسة المستعملة) تعج بالزبائن الكرام، والأرصفة لم تعد تحتمل قيامة تلك البالات، و أسعارٌ تزداد غلياناً رغم كل هذا الصقيع.

"البالة" هي الحل المقنع، لبلاد من كرتون، ولا أحد يقف ولو لثواني ليعرف أو يتعرف لماذا؟ وحتى لو توقف قليلاً أو كثيراً، الجواب لن يأتي إلا مخاتلاً كاذباً، مثل كل شيء.

على الدوار والمفارق، إعلانات حفلات رأس السنة، قلت عنها سنة بلا رأس، أقاموا عليها الحد فاختلّت الحدود، لكن رأسها بالنسبة للبعض مازال يتدحرج أمامهم بخبل وجنون جدير باحتفال لاينتهي.

أقوم بمعايدات باكرة، هي كلمة ورد غطاها، وأحاول أن أستذكر حصيلة عام، تتوه الذاكرة في نفق المتغير.. لكن في الحصيلة الحاصلة ماتت المجموعة المجتمعة وبقي كل يغني على ليلاه.

تستطيع لوحدك أن تكسر العصي مجتمعة، المهم أن لاتضع ولا يوضع لك عصي في الدواليب

عرفت متأخرة، تستطيع لوحدك أن تكسر العصي مجتمعة، المهم أن لاتضع ولا يوضع لك عصي في الدواليب.

في الساعة الأخيرة، لابد من محطات التلفاز، منجمون ومنجمات، هلوسات أبراج .. برجٌ في محطة صاعد وفي الأخرى وضعه حرج، زعيم محبوب هنا و مقتول هناك.. أغاني مجترة، وأخبار مرصوفة حسب العرض والطلب.. محطات لا حصر لها باسم كل حارة وفصيل، احتلال وتحرير وتزوير واسترجاع.

تبدأ حفلة الجنون ألعاب نارية ثم الرصاص الحي، الكلاشينكوف، الروسية، الفصام الجماعي، يصاب البعض، تموت طفلة، تتلون السماء، يقهقه البعض، ويبكي البعض، تبكي السماء..

تستقبل الأرض صواريخ جدد، الخبر عابر، عاجل، والمدينة كنست كل المغنين، بقيت بعض الحكايات تعزف لحناً لأغنية لا تنتهي.

تذكرت أبوهاني مريضي المسن الذي دخل في غيبوبة (سبات) بسبب نزف دماغي وبقي اسبوعين لا يتحرك ولا يتكلم، وعندما فتح عينيه وحاول أن ينطق، قال بصعوبة كلمتين: "سلوى" و "بشيللي"!

وعندما حاولت أن أعرف من زوجته التي ترافقه في المشفى عن مدلولات تلك الكلمتين، قالت على مضض والغيرة تأكل تعابير وجهها، "بشيللي" هي قريته وسلوى حبيبته منذ أكثر من خمسين عاماً لم يتزوجها...

تابعت الفحص العصبي وأنا أتفكر في ذاك الدماغ النازف الغائب، الحاضر بالحب والأرض..

في كل دمار الجسد كانت الحصيلة كلمتين، وعلى أنقاض بلد مازال هناك كلمات قد تكون وصفة سحرية لطوباوبة ذكية، ننتظر أن يقف قبح الضجيج وتبدأ جمالية صحوة النطق الأزلية.

رابط مختصر:



مشاركة



شاركنا برأيك

اختيارات القرّاء