المتن الدامي والهامش العظيم

عبد الواحد علواني | الخميس 10 ايلول 2015 | 0:2 صباحاً بتوقيت دمشق

مشاركة

على الرغم من المنجز الفلسفي والحقوقي العظيم على مستوى البشرية، ما زال تاريخ الإنسان رهن الصراع الفكري وخرافة الندرة والاقتصاد الإقطاعي. ومنذ عقدين بدأ يطل علينا عصر جديد، عصر امبراطوريات جديدة قائمة على تجمعات اقتصادية، على شكل شركات عائلية وتحالفية، متجاوزة للعرقيات والثقافات، تتحكم بالسياسات، وتنمو على حساب الشعوب من خلال افتعال المزيد من بؤر التوتر والصراع، مع أن المؤشرات العلمية والتجارية كانت تشي بأن صناعة المعرفة قد تكون مغرية أكثر من صناعة السلاح من حيث الموارد، فمنذ بداية الألفية الثالثة يتصدر قائمة أغنى أغنياء العالم أشخاص يعملون في مجالات المعلوماتية والإعلام والإتصال، ويبدو أن هذه القوائم تزيف حقيقة أن التصنيع الحربي لا زال هو المتصدر في الاقتصادات الأكبر في عالمنا. وما زالت تعمل على إذكاء ثقافة القتل والتدمير من خلال الصراع على الموارد الطبيعية، وافتعال الأزمات العقدية والايديويولوجية، والحفاظ على وقدتها وشراستها.

ومع أن المعرفة الحديثة فككت طبيعة الثقافات، ونشوء الايديولوجيات الفكرية والعقدية، واصبح الإنسان أكثر إدراكاً لمسائل الاختلاف، إلا أن العامل الثقافي ما زال المجال الأكثر استثماراً بيد هذه الإمبراطوريات المالية. لأنه العامل الذي يجعل المجتمعات تنتحر ذاتياً. ويضاف إليها أوهام الندرة حيث تترسخ باضطراد فكرة عجز الكرة الأرضية عن تلبية حاجات البشر المعيشية، لتستمد منها الصراعات المزيد من الشراسة من أجل الاستحواذ على موارد الغذاء والماء والثروات الطبيعية، ومع أن الدراسات الجادة والمعمقة تدل على أن الأرض بإمكانها أن تفي باحتياجات عشرات أضعاف سكانها اليوم.

اقتصاد الحرب يتحكم بالعالم، وهو اقتصاد شرس من شبه المستحيل ترويضه، وخاصة في عالم ممزق ومليء بالكراهية

اقتصاد الحرب يتحكم بالعالم، وهو اقتصاد شرس من شبه المستحيل ترويضه، وخاصة في عالم ممزق ومليء بالكراهية، ويدرك سدنته أن استثمار الايديولوجيا ومخاوف المعيشة، يحققان له السوق التي تجعله مزدهراً ومتطوراَ باستمرار نحو الوسائل الأكثر فتكاً. ولتحقيق هذه الأهداف لا بد من توسع رقعة الاستبداد، وانتشار الفساد. ويتميز اقتصاد الحرب بأنه يزدهر دوماً دون أن يكون حاجة معيشية، ويقوم على وهم صراع البقاء، ويستمد موارده حتى من البيئات الأكثر فقراً، التي تظن أن بوسعها أن تشبع أكثر بامتلاك السلاح.

ومن خلال قراءة متبصرة للراهن وظواهره ومظاهره، يتبين لنا رعب العالم القادم، وطبيعة الاسترقاق الجديد، والبؤس الذي سيعم البشر من أجل رفاهية نسبة لا تتجاوز 0.001 % منهم.
 

إقرأ أيضاً للكاتب: عصر الأوكاليبتوس والسافانا


مواجهة هذا العالم المخيف تتطلب وعياً نوعياً، غير متيسر، وعملية إنتاجه تستغرق دهراً، وإن كان عصر الشعوب قد بزغ في بعض أنحاء الأرض، تعمل المافيا الدولية اليوم على وأده، بتحويل أي بازغة نهوض إلى حرب طاحنة، بالتلاعب بها وتوريطها في مسارب لم تكن تخطط لها. 

أمام هذه الحال المستعصية، وتحولاتها الأسوأ القادمة يطل السؤال الحائر: ماذا بوسعنا أن نفعل؟! ولأنه سؤال بالغ الصعوبة ربما يجدر بنا تفكيكه إلى أسئلة أقل استحالة، تتسق في خطاطة مرحلية، حيث الممكن يقود إلى الممكن الذي يليه.

الوعي بالتاريخ وتجاربه ضرورة، مع إدراك أن الراهن مختلف كلياً، فإن كانت الطبيعة بحد ذاتها تغير قوانينها، فإن التاريخ بالتأكيد تتبدل نواظمه وسننه مع تغير الأحوال والظروف والمعارف والتحديات. فخمسة آلاف سنة على الاقل من تاريخ الإنسان المليء بالحرب والصراع لم يفض إلى استقرار حقيقي ممتد، إنما إلى هزائم حقيقية، وانتصارات وهمية في ساحات القتال. الانتصارات الحقيقية لم تتوفر إلا في المجالات العلمية والمعرفية. وكم من أمة كانت هزيمتها خير لها من انتصارها، وكم من أمة كان انتصارها وبالاً عليها.

ثمة تجربة كانت تاريخياً ناجحة جداً، وحتى في راهننا ثمة ما يشابهها، وتحقق لها النجاح، ولعلي أسميها تجربة الهامش. فالمسيحيون الأوائل في ظل روما الوثنية، ولأسباب من بينها ضعفهم أمام جبروت الدولة الرومانية، تحلوا بإيمان أخلاقي عال، ومع عددهم القليل أنتجوا أولى الفلسفات التي تنظر إلى الإنسان بوصفه إنساناً بغض النظر عن عقيدته وأرومته.

هذه النزعة المسالمة والبعيدة عن الفساد والبعيدة عن تهديد سلطة القوى المهيمنة، تمكنت من اكتساح القلوب حتى غدت تلك الإمبراطورية إمبراطورية مسيحية، إذ أدرك (بطرس الرسول) أهمية الهامش، وبعده عن صراعات المتن.. فعمل فيه ونما الايمان المسيحي بنعومة. وبقيت مسيحية ناعمة إلى أن سيطر عليها هاجس السلطة وتم تأسيس إطار ديني سلطوي من خلال المجامع السبعة (عددها أربعة عند بعض المذاهب) ابتداء من مجمع نيقية، الذي مورس فيه العنف ضد آريوس لأنه اختلف مع البقية. إلى مجمع خلقدونية الذي شتت المسيحية إلى مذاهب مختلفة امتلأ التاريخ بويلات وكوارث الصراع بينها.

شهد العالم انتشار الإسلام بوصفه نظاماً أخلاقياً سامياً، دفع بكثير من شعوب الأرض إلى الإيمان به طواعية

والتجربة النبوية الكريمة، وصرخة بلال (أحد.. أحد) كان انتصارها الاساسي في الهامش، حيث انتشر الإيمان بين المستضعفين حتى أصبح مداً عجز عن مواجهته كبار السدنة والدهاقنة مع حشودهم وأموالهم. وظهرت دولة الإسلام على الرغم منهم، ولم يعكر صفوها إلا فترات الصراع على السلطة، وشهد العالم انتشار الإسلام بوصفه نظاماً أخلاقياً سامياً، دفع بكثير من شعوب الأرض إلى الإيمان به طواعية، وما زالت إلى اليوم أكثر الشعوب التزاماً وإخلاصاً له. وأنتج حضارة معرفية ازدهرت وحلقت في وقت كان العالم غارقاً في ظلمات الجهل والخرافة. وشهد العصر الإسلامي تطور الفكر الإنساني الذي أسس للفلسفات الإنسانية الراهنة، وما يتعلق بها من نظريات الحقوق. ولم يمر العالم الإسلامي في فترات الضعف إلا بسبب الاصطراع على السلطة والاستئثار بالهيمنة، وغلبة إمتلاك المتن، وإهمال الهامش الذي ينيره.

وفي مواجهة الاستعمار، كانت حركة الهامش هي الأساس في مقاومة أطماعه، ومعظم النشاط التحرري انطلق في الهامش، وأرغم المستعمرين على الجلاء، هذا الأمر الذي شهدناه أيضاً في وجه الاستبداد الايديولوجي في أوربا الشرقية منذ ربع قرن، حيث استطاع الهامش أن ينهض أمماً من أقبية أنظمة عاتية.

ولعلي هنا أطرح السؤال الممكن برأيي، كيف نفعل دور الهامش؟ وماذا بوسعنا أن نفعل فيه؟!

الهامش متوفر في كل زمان ومكان وظرف، هو يحتاج فقط إلى إيمان بنجاعته، وصبر على بطئه وهزاله في البدايات، الهامش الذي يبدأ من صلاح الفرد ووعيه، وينمو باضطراد، دون أن يصارع على السلطة، الهامش الذي يفرز رؤى وبنى سليمة وراسخة، الهامش الذي يتمثل المثال ويؤمن بالممكن ويبني عليه. الهامش الذي يفرق بين شجاعة مواجهة الذات وبين تهور مواجهة الآخر، الهامش الذي يحرم المستبدين والطغاة والغزاة من متع الادعاءات والشعارات الفارغة والفضفاضة، الهامش الذي يؤمن أن قليلاً من النور يبدد الكثير من الظلام، الهامش الذي يأبى أن يكن أداة للاستبداد أو الفساد، الهامش الذي يوقد شموع الأمل بهدوء حتى يزول الظلام إلى غير رجعة ما بقي هذا الهامش ملتزماً بمبادئه.. إنها بالتأكيد عملية صعبة ومديدة تحتاج صبراً وإيماناً غير محدودين، لكنها خطوة تزرع الثقة في النفس بأن أفقاً بهياً ولائقاً بكرامة الإنسان لا بد قادم.
 

إقرأ أيضاً للكاتب: في دلالات المخيّم

دلالات :

رابط مختصر:



مشاركة



شاركنا برأيك

اختيارات القرّاء