اللاجئون السوريون في تركيا الحملة الأخيرة وتداعياتها

مركز جسور للدراسات

مشاركة
روابط ذات علاقة



المخيم | 3:1 مساءً بتوقيت دمشق --

شكّلت مسألة اللجوء السوري قضية أساسية في الشأن العام التركي خلال السنوات الماضية، نظراً لارتفاع أعداد السوريين بشكل كبير في بعض المدن الرئيسية، وخاصة في مدينة اسطنبول، العاصمة الاقتصادية للبلاد. 

ووفقاً لآخر إحصاء رسمي من دائرة الهجرة التركية، فإنّ عدد السوريين في تركيا يبلغ 3 ملايين و630 ألف سوري مسجل بشكل رسمي، بينهم 103 آلاف و579 شخصًا داخل المخيمات. وتأتي اسطنبول على رأس قائمة المدن التي يتواجد السوريون فيها، حيث يصل عددهم هناك إلى 547 ألفًا و479 شخصاً، بينما تأتي غازي عنتاب في المرتبة الثانية 443,290 شخصاً، تليها شانلي أورفة 430,537 شخصاً(1) (انظر الشكل رقم -1-). 

ومع توسّع الوجود السوري في عام 2012، بدأت الحكومة التركية بمنح اللاجئين القادمين من سورية إقامة لجوء حملت اسم "الكمليك"، وتعني بالتركية "الهوية الشخصية". وترتبط الكمليك بالولاية التي سجّل فيها الشخص لأول مرة، وتفرض عليه الإقامة فيها، ولا تسمح له بالسفر إلى ولاية أخرى دون إذن سفر مسبق يتم استصداره من ولايته. وترتبط الإجراءات الأخيرة بحَمَلَةِ هذا النوع من الإقامة تحديداً. 

وإلى جانب "الكمليك"، يحصل السوريون المقيمون في تركيا على أنواع أخرى من الإقامة، وهي الإقامات السياحية أو إقامات العمل، وهي أنواع إقامات لا محددات فيها على التنقل والإقامة. 

ويتناول هذا التقرير المسار الزمني للحملة التركية التي بدأت منتصف تموز/يوليو، والمضمون الفعليّ لهذه الحملة، ودوافعها وآثارها على مختلف الفاعلين، والتوصيف القانوني لها ولبعض الممارسات التي رافقت تطبيقها، كما يُقدّمُ مقاربةً تضمن حماية مصالح اللاجئين السوريين بالحد الأدنى، مع الحفاظ على حق الدولة التركية في تنظيم وضع الأجانب على أرضها.  

 

 

 

أولاً: حملة تصحيح أوضاع اللاجئين

بدأت الحملة الأخيرة مساء يوم 12 يوليو/تموز 2019، في اجتماع للرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع أعلى هيئة لصنع القرار ومجلس الإدارة في حزب العدالة والتنمية الذي يترأسه، حيث أعرب بعض النواب البرلمانيين بالحزب خلال الاجتماع عن وجود ردود فعل مستاءة من الوجود السوري في اسطنبول، وأن الاحتجاجات الشعبية قد تصاعدت في هذا الشأن، وأنه ينبغي وضع سياسات جديدة بشأن هذه المسألة، حيث ردّ أردوغان بأنه كان علينا "بداية فتح الأبواب أمام السوريين، ولم يكن بإمكاننا عدم الاكتراث بهم، ولو حدث الشيء نفسه معنا فمن الذي كان ليساعدنا أو يقف إلى جانبنا؟ ولكن مع ذلك لدينا خطوات جديدة في هذا الصدد، سوف نعمل على وضع آلية تشجعّهم على العودة إلى وطنهم، كما أننا سنقوم بترحيل الذين يخالفون القانون منهم، أيضًا نرى وضع حد للخدمات الصحية التي نقدّمها لهم"(2) .

في اليوم التالي عقد وزير الداخلية التركي اجتماعاً موسّعاً مع جمع من الإعلاميين السوريين، وتم فيه تناول ملف السوريين في تركيا لا سيما في اسطنبول على وجه الخصوص، كما تم الحديث عن قرارات وخطوات جديدة بهذا الصدد، وكان أهمها:

• تنظيم ملف الهجرة يعني تطبيق القوانين كاملة على السوريين كتجار وكمحلات وكأفراد من جهة ضرورة حصولهم على التراخيص المناسبة، وحملهم للأوراق الثبوتية وتصاريح العمل بالنسبة للعاملين، وعدم مخالفتهم نظام الإقامة أو الحماية المؤقتة أو العمل.

• من كان يقيم في اسطنبول وهو لا يملك حتى الآن أية إقامة و/أو بطاقة الحماية المؤقتة (مخالف) فهو معرض للترحيل إلى بلده، كما أن المقيم بإسطنبول ومسجل كلاجئ أصلاً بولاية أخرى سوف يتم ترحيله إلى تلك الولاية.

• سيكون هناك تشديد كبير في العقوبات والترحيل وتطبيق صارم للقوانين ضد مرتكبي الجرائم، لا سيما تلك المتعلقة بالتهريب والتزوير والجرائم الأخرى التي يعاقب عليها القانون(3). 

وقد أصدرت ولاية اسطنبول يوم 22/7/2019 بياناً قالت فيه إن هناك 522,381 أجنبياً مسجلاً بإقامة في محافظة اسطنبول، بالإضافة إلى 547,479 "ضيفاً سورياً يعيشون في إطار الحماية المؤقتة". وأضاف البيان أن الأجانب من الجنسية السورية الذين ليسوا تحت الحماية المؤقتة (غير مسجلين أو ليست لديهم إقامة) سيتم ترحيلهم إلى المحافظات المحددة من قبل وزارة الداخلية، وأنه تم إغلاق باب التسجيل الجديد للحماية المؤقتة في اسطنبول. 

وذكر البيان أنه تمّ منحُ مهلة تنتهي في 20 آب/أغسطس 2019 للأجانب من الجنسية السورية الذين يملكون هويات حماية مؤقتة في محافظات غير اسطنبول ولكنهم يعيشون فيها، حتى يعودوا إلى محافظاتهم، والذين لا يعودون حتى نهاية المهلة المؤقتة سيتم ترحيلهم إلى المحافظات المسجلين فيها وفق تعليمات وزارة الداخلية(4) .

وفي يوم 24 تموز/يوليو جرى اجتماع بين وزير الداخلية التركي ووفد من الائتلاف الوطني لقوى المعارضة، وخلال اللقاء أكّد الوزير على أن حمْلةَ تصحيح أوضاع اللاجئين ماضية في طريقها ولا تراجع عنها، وأن نقل إقامات الكمليك من ولاية إلى أخرى لن يكون وارداً دون سبب مقنع، وهو أمر سيكون موضع نظرٍ لكل حالة بحالتها من قبل لجنة مشتركة بين الوزارة والائتلاف. 

 

ثانياً: مضمون الحملة

انتشرت العديد من الإشاعات والأقوال في الآونة الأخيرة حول السياسات التركية الجديدة. ووفقاً للمعلومات الرسمية التي حصلنا عليها(5)، فإنّ الإجراءات سوف تكون كما يلي: 

1- عملية تنظيم أوضاع حملة الكمليك هي عملية مستمرة وشاملة حتى تحقيق تنظيم قانوني كامل، ولا نية للتراجع عنها.

2- ترحيل من يحمل بطاقة حماية مؤقتة غير صادرة من اسطنبول إلى الولاية التي أصدرت له تلك البطاقة.

3- ترحيل من لا يحمل بطاقة الحماية المؤقتة او أي وثيقة رسمية إلى ولايات "معينة" خارج اسطنبول لتسوية وضعه القانوني وتثبيت وجوده لدى دائرة الهجرة في الولاية الجديدة. "أما الذين يخالفون هذه القوانين أكثر من مرة فسيتم ترحيلهم إلى سوريا"(6) .

4- ضرورة استخراج إذن عمل للعاملين وعدم العمل بدون بطاقة إذن العمل، وهذا قانون تنص عليه قوانين الحماية المؤقتة.

5- لا يتم ترحيل المخالفين إلى خارج الحدود التركية، بما في ذلك سوريا، إلا الجناة ومرتكبي الجرائم.

 

ثالثاً: دوافع الحملة التركية

جاء الاجتماع الذي جمع أردوغان مع أعلى هيئة بالحزب لصنع القرار ومجلس الإدارة، ضمن مساعي الحزب لإجراء تقييم شامل لنتائج الانتخابات البلدية الأخيرة ونتائج الإعادة في بلدية اسطنبول، حيث يحاول الحزب تحديد ومعالجة الأسباب التي أدّت إلى تراجع الحزب في عدد من البلديات، وخاصة اسطنبول، والحد من التداعيات التي يمكن أن تتركها هذه النتائج على الحزب، خاصة مع وجود مؤشرات على قرب قيام قياديين سابقين في الحزب بتأسيسهم حزباً أو أكثر، بما سيُشكّل تهديداً إضافياً للحزب في الانتخابات المقبلة. 

كما أن الحزب نفسه، مثله مثل بقية المجتمع التركي، ليس متفقاً على رأي واحد بخصوص الوجود السوري، وبالتالي فإنّ الحاجة إلى اتخاذ إجراءات تحدّ من التساهل الحكومي معه أصبحت مطلباً داخل الحزب.  

وإضافة إلى العوامل المؤثرة داخل الحزب، فإن أحزاب المعارضة أصبحت أكثر قدرة على استغلال ملف الوجود السوري في اسطنبول تحديداً بعد حصول مرشح المعارضة على رئاسة بلدية اسطنبول، فرغم عدم إمكانية القول بأن إمام أوغلو فاز بسبب استياء المواطنين من الوجود السوري تحديداً، إلا أن جميع المحللين يضعون هذا الوجود ضمن الأسباب الرئيسية لذلك الاستياء. 

ورغم أن أحزاب المعارضة بوضعها الحالي لا يمكن أن تؤثّر بصورة مباشرة في وضع السوريين في اسطنبول أو غيرها، إلا أن استمرارها في استخدام هذه الورقة، في ظل الاستياء الشعبي العابر للأحزاب (بما في ذلك العدالة والتنمية)، سيترك أثره بلا شك على تركيبة المشهد الانتخابي بعد سنوات، ويمكن أن يكون تأثيره كبيراً في حالة إجراء انتخابات مبكرة تحت أي ظرف. 

 

رابعاً: آثار الحملة

تحمل هذه الحملة عدداً من الآثار والانعكاسات المباشرة، وخاصة على مجتمع السوريين المستهدفين منها، من حملة الكمليك المقيمين في اسطنبول وغير المسجلين فيها، كما تحمل آثاراً سياسية على كل الفاعلين في المشهد التركي، إضافة إلى آثارها الاجتماعية والاقتصادية على المواطنين الأتراك، وخاصة في اسطنبول. 

1) حزب العدالة والتنمية

يحاول الحزب من خلال هذه الحملة، ضمن سلسلة أخرى من القرارات، إعادة التماسك إلى صفوفه، والاستجابة لمطالب جزء كبير من قواعده وناخبيه المستاءة من سياسة الحكومة في إدارة ملف السوريين في تركيا، لا سيما في اسطنبول. كما يحاول الحزب من خلال هذه الحملة توجيه رسالة إلى هذه المجموعات بأنه قد استجاب لغضبها، وأدرك أهمية الاستماع لمطالبها بشكل أفضل. 

وكان أردوغان، والذي هو رئيس الحزب إلى جانب كونه رئيسًا للجمهورية، قد أعلن عن العمل على محاسبة داخلية شاملة تصل إلى تغيير في الحكومة وفي مسؤولي الحزب إن اقتضى الأمر.

إضافة لما سبق، فإن العدالة والتنمية لا يزال يعتقد أن ناخبيه القدامى لا يثقون بالمعارضة لا سميا الشعب الجمهوري، وهذا ما أثبتته 16 عامًا مضت منذ تولي الحزب زمام السلطة عام 2002، ولذا فإنّه يسعى لسحب الورقة الأهم التي قد تمكّن المعارضة القومية من جذب بعضٍ من ناخبيه، خاصة وأن الحزب يواجه تحدياً جديداً يتمثّل في شخصية أكرم إمام أوغلو، والذي استطاع الوصول للشارع بشكل فشلت فيه أي شخصية معارضة أخرى، وهو ما يستوجب من الحزب العمل على معالجة الملفات الإشكالية التي يمكن أن يستغلها أوغلو سياسياً. 

2) المعارضة

تعني هذه القرارات المتأخرة -من وجهة نظر المعارضة- انتصارًا إضافيًّا لهم، بعد انتصارهم في عدد من كبرى المدن التركية، وخاصة اسطنبول وأنقرة وإزمير، وتأكيدًا على صواب رؤيتهم بخصوص تأمين عودة السوريين إلى بلدهم، وتخفيف العبء عن الداخل التركي.

لكن الانتصار الأبرز سيكون من نصيب أكرم إمام أوغلو، والذي لا شك أنه يرى نفسه السبب الأول لاتجاه الحكومة نحو تنظيم وجود السوريين في اسطنبول، حيث تحدث مرارًا قبيل الانتخابات المحلية عن برنامجه الذي يهدف لإصلاح شامل في ملفهم، عبر تشكيل طاولة خاصة لمناقشة وضعهم، وعبر التعاون مع المؤسسات المعنية، أي ولاية اسطنبول إضافة لوزارة الداخلية، وهذا بدوره سيكون رصيدًا له ربما سيتفاخر به يومًا حينما يتم الاتفاق على ترشيحه لرئاسة الجمهورية، الشيء الذي يتم الحديث عنه الآن بين مناصريه. 

لكن هذا الانتصار يحمل طابعاً آنياً، ويمكن أن يَضعُف أثرُه بشكل كبير حتى الانتخابات القادمة، إذا ما نجحت الحكومة في معالجة هذا الملف بشكل كبير، وحدّتْ من أثره المباشر على المواطن التركي حتى الاستحقاق القادم، والذي سيكون في عام 2023، إن سارت الأمور وفقاً لما هو مخطط.

3) السوريين المقيمين في اسطنبول

لا شك أن السوريين المقيمين في تركيا، وخاصة في اسطنبول، هم أكثر المتأثرين بهذه الحملة. ورغم أن التأثير المباشر ينحصر بأولئك الحاملين لإقامة الكمليك من المحافظات الأخرى والمقيمين في اسطنبول، إلا أن الأثر النفسي يشمل معظم السوريين، والذين واجهوا من جهة كماً كبيراً من الأخبار والإشاعات، ولم يعودوا قادرين على التمييز بين ما هو صحيح منها وما هو غير صحيح، كما أصبحوا من جهة أخرى في حالة من عدم الاستقرار، نتيجة لتوقع سياسات تقييديّةٍ لاحقة، يمكن أن تفقدهم الكثير من الامتيازات التي تمتّعوا بها عبر السنوات الماضية. 

وساعد في ترسيخ حالة الإرباك التي سادت مجتمع السوريين في تركيا عدّة عوامل، أهمها الانتهاكات التي صاحبت تطبيق الحملة في أيامها الأولى، ومن أهمها القيام بترحيل بعض من تم اعتقالهم إلى إدلب، وبعضهم من حملة إقامة الكمليك الصادرة من اسطنبول، لكنهم لم يكونوا حاملين لها عند اعتقالهم، أو كانوا يحملون نسخة عنها ولم تكن بحوزتهم في لحظتها النسخة الأصلية. 

وقد أكّد وزير الداخلية التركي في لقائه مع وفد الائتلاف الوطني يوم 24 تموز/يوليو على أن هذه الانتهاكات كانت تصرفات فردية من قبل بعض العناصر الأمنية، وأن وزارته بدأت بإرسال دوريات تفتيش للمراكز الأمنية، بغية التأكد من تطبيق القوانين دون تعسّف، ودون ممارسات غير قانونية كالتعذيب والإهانة والضرب.  

خامساً: قانونية الحملة 

تتضمنّ الحملة التركية لتنظيم أوضاع اللاجئين على أراضيها عدداً من الجوانب، والتي يحمل كل منها توصيفاً قانونياً خاصاً به. 

من حيث المبدأ، يضمن القانون والعرف الدولي لأي دولة مستضيفة تنظيم وجود اللاجئين على أراضيها، بما في ذلك إلزامهم بالإقامة داخل حدود مدينة بعينها. 

لكن تطبيق الحملة في أيامها الأولى تضمن عدداً من الإجراءات، من بينها ترحيل بعض من تم توقيفهم إلى إدلب، بما في ذلك حملة لكمليك اسطنبول، وهو إجراء مخالف لعرف القانون الدولي، فرغم أن اللاجئين السوريين في تركيا لا يخضعون لاتفاقية اللاجئين لعام 1951، وإنما يعاملون كـ"ضيوف" وفقاً للتعريف التركي للاجئين السوريين، إلا أن ترحيلهم إلى سورية يبقى مخالفاً لالتزامات تركيا في القانون الدولي، إذ يُعارض العرفَ، وهو أحد المصادر الأساسية لهذا القانون، كما يعارض التزامات تركيا ببقية الاتفاقيات، بما فيها اتفاقيةُ مناهضة كافة أشكال التعذيب، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. 

وقد أصدرت منظمة "هيومن رايتس ووتش" تقريراً يوم 26 يوليو أكّدت فيه عدداً من حالات الترحيل القسري إلى إدلب، إضافة إلى توثيق حالات تعذيب وإجبار للموقوفين على توقيع أوراق العودة الطوعية إلى سورية(7). 

كما لم تمنح الحملة المخالفين حق الاعتراض أو توكيل محامي، إذ يتم اعتقال المخالفين من الشوارع أو من أماكن عملهم إلى المخافر الأمنية، ويتم تحويلهم مباشرة إلى التسفير، دون أن يُسمح لهم حتى بإحضار النسخ الأصلية من الكمليك لإثبات صدورها في اسطنبول. 

ويشكل هذا الإجراء مخالفةً للعرف القانوني أولاً، كما يشكّلُ مخالفةً للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والقواعد الدنيا للمحاكمات العادلة. 

لكن اللائحة التنظيمية للحماية المؤقتة، والصادرة بموجب قرار مجلس الوزراء التركي رقم 6883 بتاريخ 13/10/2014، تمنح السلطات التركية حق ترحيل الجُناة ومخالفي القوانين التركية، بل إن تلك القوانين تنص أيضًا على ترحيل من يعمل دون الحصول على إذن عمل، وبالتالي نحن أمام مشكلة يقع فيها غالبية السوريين أو يضطرون على الأصح في الوقوع بها، وهي الحصول على إذن عمل.

ويتداول العديد من السوريين إمكانية الحصول على إذن عمل مجاني عن طريق الهلال الأحمر التركي، لكن هذا الأمر ليس له أساس من الصحة. وقد نفى مكتب الاستعلامات في وزارة العمل والضمان الاجتماعي التركية(8) بشكل قطعي وجود أي قرار جديد حول منح أذون عمل خاصة بالسوريين، ليتبين لاحقًا أن الأمر عبارة عن فهم غير صحيح لخطوة اتخذها الهلال الأحمر سابقًا. كما نفى مكتب الهلال الأحمر التركي في اسطنبول(9) هو أيضًا أن يكون مخوّلًا أصلًا بمنح أذونات عمل لأي أحد، بل الأمر عبارة عن خطوة يتخذها الهلال الأحمر منذ وقت طويل، عبر مساعدة المتدربين لديه في تأمين الحصول على إذن عمل من خلال دفع تكاليفه في حال حصولهم على وظيفة لديه أو في أي مؤسسة أخرى. 

 

سادساً: بين مصالح اللاجئين ومصالح الدولة التركية 

بلا شكّ فإنّ كل الدول تملك الحق في تنظيم وجود الأجانب على أراضيها، وخاصة في المدن الكبرى فيها، كما أنها تملك الحق في رعاية مصالح مواطنيها. لكن تنظيم وجود اللاجئين (بغض النظر عن المسمى الذي يُمنح لهم، حيث يبقون لاجئين في عرف القانون الدولي بحكم الأمر الواقع) ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار تلبية مصالحهم ضمن الحدود الدنيا على الأقل، وعدم المساس بالالتزامات القانونية الأخرى للدولة، بما يشمل احترام كل الاتفاقيات الدولية التي تمّت المصادقة عليها واحترام أعراف القانون الدولي. 

وبناء على ما سبق، يمكن اقتراح ثلاثة معايير يمكن أن تُساعد في الوصول إلى صيغة وسيطة تراعي تحقيق مصالح المجتمع والحكومة التركية ومجتمع اللاجئين: 

أولاً: الإطار الزمني

بدأ تطبيق الحملة بشكل آني في اليوم الذي تم الإعلان فيه عن الإجراءات الجديدة، الأمر الذي لم يمنح المخالفين فرصة معالجة هذه المخالفات بشكل ذاتي، كما لم يأخذ مصالحهم الدنيا بعين الاعتبار، بما في ذلك مراعاة حقوق الأطفال الذين يحتاجون إلى رعاية والديهم، والتأكد من عدم تعرّضهم لصدمات نفسية واجتماعية نتيجة لاعتقال وتسفير أحد الوالدين بشكل فجائي. 

وشكّل قرار ولاية اسطنبول في 22 تموز/يوليو منح السوريين المخالفين مهلة حتى يوم 20 آب/أغسطس 2019 للعودة إلى محافظاتهم(10) معالجة جزئية لهذه الإشكالية، إلا أن المهلة الممنوحة قصيرة للغاية، خاصة وأن بعض المخالفين قضوا سنوات في اسطنبول وبعضهم لا يعرف من تركيا أصلاً إلا اسطنبول، وأن الانتقال السريع إلى محافظة أخرى يتطلب إمكانيات مادية لا يملكها معظم المخالفين، كما أن البحث عن بيت مناسب في محافظة أخرى قد يستغرق وقتاً أطول من ذلك. 

ثانياً: معالجة الإشكالات الاجتماعية

أدّى الوجود السوري الطويل في تركيا إلى خلق إشكالات مركبة تحتاج الحكومة التركية لمعالجتها قانونياً بشكل ما. فعلى مدار السنوات الماضية تشكّلت آلاف الأسر الجديدة، والتي تجمع شخصين يحملان إقامة كمليك من محافظتين مختلفتين، وانتقل أحد الشركاء إلى ولاية الآخر بطبيعة الحال. 

ووفقاً للترتيبات الجديدة، فإنّه ينبغي على هذه الأسرة أن تتفرق، بحيث يذهب كل شخص فيها إلى الولاية التي صدرت منها إقامته. ولا يندرج هذا الوضع ضمن الاستثناءات التي يمكن للجنة المشتركة المشكلة بين الائتلاف الوطني ووزارة الداخلية النظر فيها. 

وينبغي على السلطات التركية مراجعة هذه الإشكالية على وجه الخصوص، لما لها من تأثيرٍ على آلاف الأسر. 

ثالثاً: ضمان احترام حقوق الإنسان

شهد التطبيق الأولي للحملة عدداً كبيراً من انتهاكات حقوق الإنسان، بما في ذلك ممارسة الضرب وغيره من الأعمال الحاطة بالكرامة، وإجبار الموقوفين على توقيع أوراق تفيد بأنهم يرغبون بالعودة الطوعية إلى سورية، وترحيل موقوفين -بعضهم يحمل كمليك اسطنبول أصلاً- إلى إدلب، وهي ربما الآن المنطقة الأقل أمناً في سورية والمنطقة بأسرها، كما أن بعضاً ممن تم ترحيله إلى إدلب تعرّض للاعتقال الفوري لدى هيئة تحرير الشام، وما زال عدد منهم تحت الاعتقال حتى ساعة إعداد هذا التقرير. 

وقد أكّدت السلطات التركية في أكثر من مناسبة خلال الأيام الماضية، بما في ذلك أثناء اللقاء الذي جمع وزير الداخلية التركي مع وفد الائتلاف الوطني يوم 24 تموز/يوليو، على أن هذه الانتهاكات هي تصرفات فردية، وأن الوزارة قررت تسيير دوريات تفتيش إلى المراكز الأمنية للتأكد من تطبيق القانون دون تعسف، إلا أن السلطات التركية ينبغي أن تعمل أيضاً على معالجة الانتهاكات التي حصلت، بما في ذلك السماح لمن تم ترحيلهم بتقديم استئناف لدى السلطات التركية، بما يسمح لهم بالعودة إلى تركيا إن تبين أنهم لم يرتكبوا مخالفات جنائية، وإلغاء أوراق "العودة الطوعية" التي تم التوقيع عليها إن ثبت وجود شبهة الإجبار. 

 

خلاصة

من الواضح أن الإجراءات التركية التي تم الإعلان عنها هي إجراءات لوضع مستدام، وأن الحكومة ليست في صدد العودة إلى حالة التغاضي عن تطبيق القانون، وخاصة في مدينة اسطنبول، والتي سادت في التعامل مع اللاجئين السوريين خلال السنوات الماضية. 

لكن عزم الحكومة على تطبيق هذه السياسات، وغيابَ نيّةِ التراجع لا يعني انتفاء إمكانية زيادة المهل الممنوحة لتسوية المخالفات بشكل ذاتي، والتأكد من عدم انتهاكات حقوق الإنسان أثناء تطبيق هذه السياسات، والبحث عن حلول للإشكالات القانونية التي ولّدتها سنوات الإقامة الطويلة، مثل زواج حاملي الكمليك من ولايات مختلفة. وهو ما يمنح المنظمات السياسية والمجتمعية السورية مساحة للعمل مع الحكومة التركية في مجال تقديم التوصيات ورصد الانتهاكات، والبحث عن حلول توائمُ بين رغبات الحكومة من جهة ومصالح المجتمع السوري في تركيا من جهة أخرى. 

وتستدعي هذه المعطيات من السوريين التعامل بحكمة وحذر، والعمل على معالجة وتصحيح الاختلالات في أوضاعهم القانونية، حتى تلك التي لم تشملها الحملة الحالية، إذ أن التوجه العام المقبل سيكون على ما يبدو صارماً في التعامل مع المخالفات والاستثناءات بشكل عام. 

 

المراجع:

 1- مجلة اللاجئين التركية، 11/7/2019

2- Erdoğan, Suriyeliler için talimatı verdi! Artık, haber7, 13/7/2019

3- إسطنبول.. تصريحات جديدة هامة لوزير الداخلية التركي عن وضع السوريين، ترك برس، 13/7/2019 

4- Düzensiz Göçle Mücadele İle İlgili Basın Açıklaması, Istanbul Valiliği, 22/7/2019

5-مقابلة أجراها الباحث عبر الهاتف مع مدير المكتب الإعلامي بولاية اسطنبول والمستشار الإعلامي لوالي استنبول، معمّر كارا دينيز يوم 22/7/2019. 

6-هذه الإضافة هي من مقابلة أجراها الباحث هاتفياً بتاريخ 21/7/2019 مع متين توران مراسل قناة "تي آر تي" التركية الرسمية، والذي نقل المعلومات التي استقاها مباشرة من نائب مدير دائرة الهجرة في أنقرة، غوكجة أوك. 

7- Turkey Forcibly Returning Syrians to Danger, Human Rights Watch, 26/7/2019

8- اتصال هاتفي أجراه الباحث مع الرقم 170 يوم 21/7/2019. 

9- اتصال هاتفي أجراه الباحث مع الرقم 160 يوم 21/7/2019. 

10- Düzensiz Göçle Mücadele İle İlgili Basın Açıklaması, Istanbul Valiliği, 22/7/2019

دلالات :

رابط مختصر:

مشاركة



شاركنا برأيك

اختيارات القرّاء