التكرار القهري .. لماذا نُعيد الماضي؟

مُترجم | الأحد 2 آب 2015 | 2:6 مساءً بتوقيت دمشق

مشاركة

مترجم عن?Repetition Compulsion: Why Do We Repeat the Past

"إذا لم نكن نكرر الماضي فماذا تكون (الأخطاء) إذا؟! .. أليست حضور الماضي في الحاضر بصورة متكررة؟! إذا جاز التعبير.." 
- ميرلانا كريشنا رايموند

ينشد الناس السعادة في المألوف. حسب (فرويد) هذا هو “التكرار القهري” حيث اصطُلح على تعريفه “بالحنين إلى حالة الأشياء كما اعتادناها فيما سبق”.

تجد هذا في أمور بسيطة من حياتك، ربما عندما تُشاهد فيلما أكثر من مرة، أو تُصر على الدخول من نفس الباب لمطعمكَ المفضل. أو على نحو مضر مثل تكرار مواعدة نفس الطراز العابث من الناس الذين يضرون بك نفسيا أو بدنيا. أو حتى عادة تعاطي مخدر ما للتغلب على أفكار محبطة تسيطر عليك.

توصيف (فرويد) كان للنوع الثاني حيث يلجأ الناس لتكرار ماضيهم باستمرار على غير هدى معتقدين أنه ليس في الإمكان غير هذا أو ما يُعرف (بالانقياد للموت) أو “الرغبة في عدم الوجود”.

لكن ليس هذا كل شيء.

ربما يكون للأمر علاقة بخبراتنا سيئة كانت أم حسنة، فعلى مر السنين نطور نماذج (1) تظل محفورة في ذواتنا. فنتمكن حينها من خلق عالم موضوعي لأنفسنا نعيد من خلاله تعريف الصالح والفاسد طبقا لما اختبرناه من قبل. وحين الشدة أو القلق، الغضب، أو أي اجتياح عاطفي، نلجأ لتكرار ما اعتدنا أن فيه الآمان. نجتر أفكارًا وأحكامًا مسبقة لتكون ردود أفعال حيال الواقع دون تبصر.

على سبيل المثال عندما يعاني أحدهم من فقدان الثقة بنفسه لسبب عارض من (غيرة) أو غيرها فإنه يعتبر عدم إجابة رسائله أو مكالمته الهاتفية في الحال، نوعا من التجاهل، حينها تتنامى مشاعر التعجب والشعور بالذنب داخل عقله فيدفعه هذا لطرحها عنه باتهام الآخرين بها، ويعبث سوء الظن بعقله فيدفعه -عن غير إرادة منه- ليخرب ما بينه وبين أصدقائه أو أولاء الذين يحبهم.

وعلى الرغم من أنه لم يكن يريد أن يتصرف على هذا النحو، إلا أن (نماذجه) التي خلقها سابقا لنفسه واستقرت لديه على مر السنين، تدفعه ليتصرف على هذا النحو المألوف لديه، مما يجعل التصرف العقلاني يتخذ صفة الغريب فينطرح العقلاني الغريب لصالح المألوف وإن كان ضارا له أو للآخرين.

كذلك يعيد الناس حالات من الماضي إذا كان التصرف على هذا النحو يأتي دائما بنتائج محمودة؛ أو حين تؤكد لديهم شيئا ما استقر في عقولهم حتى وإن كان شعورا سلبيا يؤمنون به. هذا ما يجعل البعض حين يمرون بأزمات عاطفية يتهمون أنفسهم دائما ويجعلون ساحة الآخر مُبرأة تماما ليأكدوا لأنفسهم أنهم لا يستحقون ومن ثم لحظيا يشعرون بألم أخف لكن على المدى البعيد سيسيطر الشعور بالخجل من النفس. ثمة مثال واضح على ذلك ، وهو أولئك الذين يكررون علاقات مؤذية نفسيا وبدنيا مع ذات النوع من الأشخاص، بل إنهم لا ينجذبون لغيرهم!، وفي هذا دلالة واضحة على أنهم/ن مفتقدون للآمان على المستوى الشخصي(2) وأنهم/ن مؤمنون على مستوى ما من اللاوعي أنهم/ن لا يستحقون العناية أو التقدير.

يمكن أن يوفر العلاج السلوكي التقاربي ((cognitive-behavioral therapy ((CPT والعلاج السلوكي الجدلي (dialectical behavior therapy ) (DBT) والعلاج السلوكي العقل/عاطفي (rational emotive behavior therapy) (REBT) حلا ناجعا في تلك الحالات حيث يعيد تشكيل (نماذج) التفكير التي تؤدي لاعتياد مثل هذه السلوكيات الخاطئة والأفكار المحتقِرة للذات، حينها ينتبه الوعي لتلك التشوهات في المعتقدات عن النفس والآخرين عن طريق تصحيح مسارات الفكر والتفكر والنظر في الأمور.

بالعمل على مسارات متعددة دون إهمال بعضها على حساب الآخر، يمكن للمرء حينها أن يتعرف على الأفكار والأفعال المضرة وينبذها في حرية، كما يمكن للعقل حينها أن يستعيد قدرته على تشكيل (نماذج) جديدة بناءة وعقلانية وإيجابية والتي تقود أخيرا لخيارات وسلوكيات أكثر ملائمة.

يستغرق الأمر من المرء سنوات عديدة لتطوير (نماذج) وعادات وخيارات ضارة (maladaptive) كمرجعية له أو لها، وعليه فقد يستغرق الأمر سنوات مماثلة لإعادة تشكليها على نحو يستحق التكرار فعلا. (3)

نشير بكلمة نموذج في هذا المقال إلى النمط المُحتذى والذي تتبعه النفس معتقدة فيه “أسوة حسنة”(المُعَرّب)
ربما يكون افتقادهم/ن للأمان هذا نتيجة خبرة سابقة مثل النشوء في أسرة غير مستقرة أو معاملة بالإهمال من الأب أو الأم حيث يستقر في نفوسهم الخوف من المستقبل. (المُعَرّب)
التكرار ليس سيئا في حد ذاته حينما تكون الخبرات محمودة وعندما يكون هذا التكرار عن وعي وبصيرة، إنما تكمن المشكلة في كلمة (قهري). (المُعَرّب)

ترجمة: ساسة بوست 

رابط مختصر:



مشاركة



شاركنا برأيك

اختيارات القرّاء