البحر بيضحك ليه .. بلا ولا شي!

حنان فهد | الأحد 13 آذار 2016 | 11:14 مساءً بتوقيت دمشق

مشاركة

أستطيع أن أفتح عيني على نور صوتك، هكذا يكون للصباح طعم الحياة, تتسلل الروح لكل المفردات, و حينها قد أنسى تلك الحبوب من مضادات الاكتئاب التي لم تعد مجدية, رغم تغيير الأنواع والأشكال والزمر الدوائية.

يأتي صوتك لحناً للحياة، قلت لك مرارا: ستنتهي الحرب يوما ما وستغادر معها كل تلك التفاصيل الغبية القبيحة, وسيكتب الشعراء والكتاب والمؤرخين عن كل شيء لكن الخلود سيكون لتلك الحكايات الجميلة، فنحن نستطيع اختصار الموت و الدمار ببضع أسطر لكن الحب والجمال سيبقى يتلألأ مثل نبع وروافد لاتنتهي.

متعبة أنا من كل شيء، أستمع إليك و أنت تتكلم قليلاً وكثيراً عن كل شي.. أشرب قهوتي, رائحة البن تطرز خارطة الحنين، أبتلع الدواء كفعل انعكاسي لأعمال يومية يجب القيام بها، و أنت ما تزال تدندن بأغنية "بلا ولاشي".

وتقول لي بعفوية مشاغب: "حبيني وفكري شوي .. يعني فكري شوي مو كتير ... هل فهت؟!".

نضحك معاً بشغف مجنون، لم تستطع تلك المسافات القصية التي تفصل بيننا أن تخمد تلك الشعلة. قررت كثيراً أن أعتزل تلك الملحمة التي هي حبك، ولكن لا أحديستطيع أن يحيا بنصف روح.

لو أن الصحراء تفهم لغة الأشجار لحفرت في القلب منابع الرشفات الأخيرة و أهدتني رشفة كي أحافظ على آخر نفس يمنحني البقاء على قيد الحياة دون شظف.

تكبر صحرائي عندما ينقطع الاتصال بيننا، ويسود صمت رغم كل الضجيج المحيط بي, أسرح شعري الأسود الطويل, و أراني في المرايا مجبولة بالأسئلة العقيمة, ومازالت عبارتك الشهيرة: "لاتجزعي طهرك يخيفهم".

هي أيقونة في مسمعي، أستعيدها و أنا أبتسم بسلام، أغادر المنزل نحو البحر .. "عزلة مؤقتة".

تختلط أصوات المارة في الشارع مع اصوات البناء المجاور الذي بدأ يعلو من جديد، نموذجاً لإعادة إعمار مقنع أو إسعافي...

يقول الجار صاحب المكتب العقاري بثقة وتفوق مسرحي: "هذا البناء للأستاذ حاتم .. من يريد أن يتخصص بها مراجعتي هنا..السيد حاتم قد أوكلني بكل شيء".

الكل يسير بسرعة، النساء متشابهة، والشباب تموهوا باللباس والذقون الطويلة، حتى المسيحيين منهم، وأغاني تلوث فضاء السمع، وكأن المسرح يستعد لولادة جوقة "هبل" جديدة.

في الطريق إلى البحر، بعض الحواجز المتناثرة، تأقلمت العيون على وجودها. نما إلى مسمعي أن أزقة المدينة تتلظى حرقة لأن الذين رحلوا سكبوا في الطريق بعض عطورهم، وها أنا ذي أملأ راحتي من عبق الرائحة و أتوضأ بعض الذاكرة.

أجلس على كرسي المعتاد في كورنيش اللاذقية الجنوبي، العشب بدأ ينبت بين مفاصل الصخرة.. صديقتي، يا الله.. لو أن البحر يفهم القصائد النهام في خواء الأزمنة لاستعطف الموجات كيلا تغرق قاربي الصغير.

البحر يغني السكينة، يحاكي الشمس نوراً على نور، تتزاحم الألوان و الألحان بين "السكابا وأبو الزلف وجفلي"، كان الموج يحمل معه كل الجينات السورية، وحكايات الراحلين في قوارب الغياب.

أقرأ الأخبار، داعش تغتال الشاعر وابنه بتهمة الردة ولاشيء جديد، غير زيادة الأرقام، والجمرة التي قبضت عليها منذ خمس سنوات لا تزال ساخنة في دمي، ولا يزال الزمن يسقيها من لهيبه، ولم أخرج من وشم جبلتي ولم يخرجني من صوتي إلا صوت العالم المبحوح.

بعد هذه الأعوام يبدو العالم قرناً، والقرن دهراً، وأبدو مثل كاهنة الوقت، تحصي البسملات، وتعد الأحجار حجراً حجراً، وهذا القلب يرتل ذراته، ذرةً ذرة.

و أتذكر كيف كان للحكاية من وقع هز أركان الكون ولم يهزني لأنني لم أبدأ بعد، ولم يكلفني الخروج سوى فقدان شخوصي التي عانت هي أنا... وكنت أنا هي!!  لذا لا أستعيد الذاكرة بقدر ما أرتب الأشياء التي انهمرت على التراب ثم استولت على خطواتي.

بعد خمسة أعوام أتمنى أن أبقى يوماً واحداً أو أكثر لأقول الكلمة الأخيرة و أفصح عن الجرح الأخير! لعل بلادي تستغفر ويتوب الحرب وتسكت الدماء عن امتدادها الرهيب.

بعد هذه الأعوام يقول العشق متعباً: ما أطول دربك فالأيام ملت من مبحوح الصوت والشمس ماعادت تشرق إلا لأنها ترغب في الأفول...
 
لكننا نرتشف الماء غصة ونأخذ الكلأ غبناً وننتمي إلى الحياة غصباً، والعشاق قد ناموا بعيداً عن مرامي القصيدة المفجوعة, وحروب الكلمات، والإعلانات، و حفلات الكذب الدعائية.

وماذا تجدي كل الافتراءات وها نحن نقترب من الساعة الأخيرة، من زمن الحورات البلهاء والعتاب المزري.. 

ويأتي صوتك مرة أخرى ليعيدني إلى شغفي, رنة الموبايل وصورتك, أتأمل وجهك و جبينك الجميل المتعب هو صحيفتي المفضلة!

تسألني: أينك؟

أجيبك بصوت أخذ يحلق: أنا أجلس على طاولتي البحرية و(....)

لا تدعني أكمل، تغني ..."البحر بيضحك ليه"

كان صوتك نازفاً لكنك كنت تضمد جراحي، كل منا يعيش غربته في وحدته، وعندما تلتقي روح صوتينا، يصبح للحياة حواس سبعة، ويبدأ اليوم الثامن والفصل الخامس.

أيقنت أن الحب وحده يزرعنا في المكان على الرغم من اتساع هوة البوح, والحب وحده يمنح القصائد عبيرها وشموخها ويهبها الصمود.

أضحك وأمشي مثل طفلة مشاغبة، أي فرح يجتاح مساماتي التي يتفتح ثغرها ياسمين توق وشوق و لم شمل كل مفردات الحب الضائعة...

أعود إلى ضجيج المدينة، مازالت ورشات البناء للبرجيات الجديدة، كان الجار صاحب المكتب العقاري يسير مسرعاً يفتح الطريق وهو يقول: ابتعدوا ... طريق للمعلم حاتم.

وصلت سيارة لا أعرف نوعها, ترجل المعلم حاتم!، قلت بصمت مرير: هذا حاتم ... لم يتجاوز العشرين من عمره و هو تفريخ لكل القباحة "إعادة إعمار التشبيح"... الأمراء الجدد.

في المساء كان يجب أن أستخدم المنوم الذي لم يعد مجدياً, قال الدكتور: يا آنسة حلا ما يحصل معك طبيعي, كل السوريين بحاجة ويومياً أكتب الكثير من تلك الوصفات.

و يأتي صوتك لأرمي كل شيء وراء ظهري، تتلون وجنتاي، و تبدأ موسيقى قلبي بسمفونية فريدة، قلت لك حبك زينتي وتاجي .. يغنيني عن كل أدوات التجميل.

كان صوتك متعباً.. و كنا سوياً "سوريا".

رابط مختصر:



مشاركة



شاركنا برأيك

اختيارات القرّاء