احتكار الحقيقة

د. براء عقدة | الأربعاء 2 آذار 2016 | 10:18 صباحاً بتوقيت دمشق

مشاركة

ازدادت نبضات قلبي , واندفع الدم في عروقي بقوة,  ووصل تركيزي المستوى الأقصى , كعادتي في أول استجابة لجهاز النداء الآلي الخاص بالطوارىء ورنينه المزعج  الذي يصاحبه  دائما غثيان يشبه غثيان حامل في أشهرها الأولى لأنه دائما مرتبط لدي  بحادث أو حالة اختناق او كارثة على وشك الوقوع في المستشفى ... كان المتصل هذه المرة وحدة العناية المركزة في المشفى طالبين مني الحضور لتقييم حالة منومة لديهم منذ فترة استأذنت من المرضى المنتظرين في مبنى العيادات الخارجية متوجها  الى وحدة العناية المركزة على الفور لأفحص الحالة التي تبين أنها مريض شاب عشريني العمر أبيض البشرة كستنائي الشعر ذو وسامة أخفاها عدم انتظام لحيته وشعره والأنابيب الكثيرة المشربكة الممتدة من جهاز التنفس الآلي وأنبوب التغذية الأنفي المعدي.

قرأت الاسم وناديته (رواد ) كيف حالك وإذ بي أفاجأ بتحريك من جفنيه ورأسه بصعوبة وكانه يرد تمام , رواد هل تسمعني هو  رأسه موافقا ..رواد هل هناك أي ألم أجاب بإيماءة بطيئة من رأسه لا ...هل تشعر بصعوبة في التنفس؟ أومأ موافقاً.

عدت إلى الملف الالكتروني لرواد لأعرف أنه مصاب بمرض وراثي نادر يدعى إرب دوشان (Duchenne muscular dystrophy) يحصل فيه ضمور في العضلات نتيجة لاضطراب وراثي سببه وجود معلومة جينية خاطئة أو مفقودة تمنع الجسم من صنع البروتينات اللازمة لبناء عضلات سليمة والحفاظ عليها.

غير أن الطفل عندما يكبر يحتفظ بوعي جيد وذكاء مقبول وهذا المرض يصيب حوالي ولد واحد من بين ثلاثة آلاف طفل.  وهو يصيب جميع عضلات الجسم بما فيها العضلات التنفسية فيصبح المريض معتمدا على جهاز التنفس الاصدناعي ويصاب بالاختناق مباشرة إذا فصل عن الجهاز لأي سبب.

كان دوري كجراح للأنف والأذن والحنجرة هو القيام بفتحة جراحية في الرغامى ليوفر على المريض مقاومة عضلات التنفس و ليتنفس المريض من خلالها بسهولة أكبر كخطوة للاستغناء عن جهاز التنفس الاصطناعي.

بالفعل أخذت قرار الجراحة وطلبت من أهل المريض التوقيع على موافقتهم عليها بعد شرح مطول لهم للجراحة وفوائدها ومخاطرها .. كان من المستغرب لدي بعد ان وقعوا الاوراق اللازمة أنهم أوصوني واشترطوا  بأن لا أخبر رواد بالجراحة لأنه سيتعب نفسيا وأنه برأيهم غير مؤهل لأخذ هكذا قرار.

وهنا طبعا رفضت وأخبرتهم بأن رواد شاب واعي ومدرك لما حوله ولذلك يستحيل علي كطبيب ان لا أخبره بماسأفعله خصوصا أن هذه الفتحة قد تلازمه طوال عمره وإن اختار رواد  الرفض فسأحترم قراره ولن أجري له العملية وهذا موضوع محسوم بالنسبة لي ..بعد جدال ونقاش استدعيت الأخصائي الاجتماعي ليساعدني في اقناعهم، وبالفعل اقتنعوا واقتنع رواد وأجريت له الجراحة وهو الآن في طوره للتعافي من جهاز التنفس الاصطناعي وأصبح بامكانه تحريك رقبته بحرية بدون انابيب موصولة بجسمه طوال الوقت كما أنهم شذبوا لحيته وشعره وبدا أكثر وسامة من ذي قبل...

هذه القصة تركت في نفسي أثرا بالغا وآذتني من الداخل ..وحركت عندي دوامات من التساؤل والبحث حول جزئية احتكار القرار .. او احتكار الصواب وهو أمر نعيشه دائما من أصغر تفصيل الى اكبره في كافة مجالات الحياة وحتى مابعد الحياة.

عدت الى المعاجم لأفاجأ بأن كلمة احتكار هي مقتصرة في كل المعاجم المتداولة على الناحية الاقتصادية فقط من احتكار سلع وبضائع واحتكار اسواق واموال لعله في زمن سابق كان الاحتكار خاصا بالاقتصاد ولكن في واقعنا اليوم الاحتكار وصل الى كافة الميادين.

احتكار الصواب ستجده متداخلا بشكل أو بآخر مع الكثير من الأسى في هذا العالم ...أي خلاف بين شخصين ستجد مبدأه اختلاف في الرأي وتشبث به وافتراض أحدهما انه على الحق والآخر على الباطل ...قس عليه الخلافات الزوجية أو العائلية والخلافات بين الجيران والاصدقاء والخلافات المادية والخلافات المذهبية  والخلافات الإقليمية ومابعدها ...

العنف والارهاب مبدؤه تطرف فكري وهذا التطرف أساسه احتكار الصواب او احتكار الهداية والخلاص ..

قد تجد طالب جامعي فاشل بناءا على قرار خاطىء من الأهل بأن هذا الفرع قد يصلح له دون سواه ويكونوا بذلك احتكروا حقه في القرار بشان الدراسة ... وحتى الزواج أحيانا.

مغروس في فكرنا أننا نحب من يتوافق معنا فقط و عندما تجد شخصا مختلفا معه في رأي أو موقف قد تكرهه مباشرة حتى العواطف والمشاعر محتكرة عندنا للموافقين فقط.

حالة رواد الإنسانية وحقه في الموافقة على الجراحة أو رفضها و اختيار شكل حياته فجرت هذه الدوامة وأطلقت العنان لأفكاري وهي تموج بين زوبعة من المفاهيم والأفكار.

هل يعقل بعد هذا الزمن كله  أننا أشخاص أحاديي التفكير؟ ، نادرا مانقبل الرأي الآخر وننازع بل ونقاتل في سبيل نصرة موقفنا .. والدفاع عن رأينا مهما كان .. وتهميش الآراء المخالفة ؟…حى اننا أحيانا قد نمارس هذا بشكل مقدس مغطى بهالة أخلاقية أو دينية هي طبعا  وهم اوسراب اصطنعناه لننتصر لنفوسنا وذواتنا بأنانية.

مع  عصر العولمة والانفتاح ، وتزاحم الفضاء بالأفكار والأراء ، وتنوع ينابيع المعرفة والثقافة وكثرة الخصومات والتنافرات والصراعات والشحناء ...  أصبح من الضروري بحث فقه الاختلاف ومشروعيته بل وضرورته الملحة في عالمنا.

هل كانت دراستنا وتربيتنا السابقة قاصرة عن هذا الجانب؟ أو كانت خاطئة بشكل أو بآخر منذ الصغر ؟في دراستنا كنا عندما تتعدد الآراء نختار رأيا ونحاول ان نبرهنه باستماتة.

في الفقه درس البعض مذهب الإمام ابن حنبل.... وحظيت آراؤه  بالقبول وصارت منهجا لايحيدون عنه ، بل أصبح العض يتمادى في تخطيء المخالف ولو كان على رأي عالم جليل كالشافعي أو مالك . ولعلكم تذكرون من سنوات خلت  في الحج  حينما أفتى أحد العلماء بجواز رمي الجمرات في الليل ..... وقامت الدنيا ولم تقعد ( دحضـا ) لهذا الرأي المخالف ..... ومع شدة ازدياد الزحام نشأت الحاجة إلى مخرج لتخفيف العدد العائل في الجمرات.

وصدرت الفتوى  الرسمية المجمعة بجواز الرمي ليلا ونهارا 

في التاريخ : قرأت في بعض الكتب المدرسية حيها عن أحداث الجمل وصفين كانت مبهمة غامضة  .... لم يتطرق أحد إلى شرح الاختلاف الذي وقع بين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه .... لا لشيء إلا لأن الكاتب او المؤرخ قد يكون فاقدا لذالك ، أو أنه تربى على عدم إثارة الخلاف أو الحديث عن مخالفة الرأي وكأنه (قدر علينا ) أن لانتعلم إلا رأي واحد فقط . مع أن الصحابة رضوان الله عليهم اختلفت أراؤهم في بعض المسائل . ولم يكفر بعضهم بعضا.

أعتقد أن الرأي القائل ( إن لم تكن معي فأنت ضدي ) انغرس لا شعوريا في داخل نفوسنا من حيث لانشعر ، وذلك نتيجة الاستماتة في الدفاع عن أرائنا ، وقناعتنا المطلقة بأننا على الصواب المطلق.

احتكار الصواب ... وعكس الصواب الخطأ 

مفهوم الذنب أو الخطأ في الإسلام ، يختلف قليلا عن المفهوم المسيحي للخطيئة الذي يستوجب قدوم المخلص ليحمل على عاتقه مهمة التكفير عن خطايا البشر ، وعن الخطيئة الأولى بوجه خاص.

في الإسلام  مثلا كل البشر خطاؤون ، وخير الخطائين هم التوابون . ولذلك فقد عمل الإسلام إنطلاقا من تقريره حقيقة أن الخطأ خصلة بشرية ، على تزويد أتباعه بالآليات التي تذكرهم بحقيقة أنهم قابلون للوقوع في الخطأ حتى ولو حرصوا كل الحرص على تجنبه.

الخطأ الأكبر بحسب الشريعة  هو أن ينسى المرء أنه قابل - حسب طبيعة تكوينه - لارتكاب الأخطاء والوقوع فيها بعلم أو من غير علم.

دعاء النبي: اللهم أرني الحق حقا وارزقني اتباعه . وأرني الباطل باطلا وارزقني اجتنابه. دليل داحض من السنة النبوية أن الإنسان قد يخطىء وهو يظن أنه محق وهو مصداق الاية الكريمة ..قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ...
والقول الشهير للشافعي رأيي صواب يحتمل الخطأ ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب هو تلخيص لذاك كله ولكن العجب في كوننا في الغالب نرى التعنت والتشبث بالأفكار والمواقف والاحتكار ممن ينسبون للدين أكثر من غيرهم.

يقول ابن عربي كل نور لايزيل ظلمة لايعول عليه , عندما يحس الإنسان بوجود خطأ فهو في اول طريقه نحو تصحيحه ...بداية الحل هو إدراك المشكلة وفي الطب معروف بأن العرض يدلك على تشخيص وأن التشخيص الصحيح هو نصف العلاج ....عرفنا العرض ...فماهو التشخيص وماهو العلاج.

يتبع .....

رابط مختصر:



مشاركة



شاركنا برأيك

اختيارات القرّاء