هل أراك.. هل أراك

حنان فهد | السبت 29 آب 2015 | 0:32 صباحاً بتوقيت دمشق

مشاركة

أتسلل من خاصرة الوقت كفراشة تلامس أصابعها البيانو، تتحايل عليه، عرفت دوماً أن لمسة يتيمة دافئة كافية لتوقط جذوة الحلم. الكامن فينا..

منذ مدة أصبحت أخاف تلك الآلة الموسيقية التي طالما أحببتها، كان الاصطفاف المتناسق للمفاتيح ينفرني، أسود أبيض و أبيض، أسود

كرهت الاصطفاف، والأنحياز و المصطلحات الجديدة التي أجتاحت عالمي.. مولاة ومعارضة و فصائل ..

لا ليس عالمي .. بل هو المعتقل الجديد الذي تموت فيه النغمة بين القرار والجواب، لكن أصابعي الطويلة الجميلة تلهث متعبة نحو البيانو تلامس المفاتيح بدهشة فتختلط الآلوان في الذاكرة وتعلو الموسقا.

أعرف أن الوقت قد تآخر ليلاً، قد أزعج الجيران بكل ضجيج المعزوفة لكنني رغم ذلك تابعت بنشوة المنتصر على تلك التابوات الغبية .. أنا أنحت في الصخر من أجل حفنة جمال.

كانت القذائف تمطر على دمشق نهاراً و الطيران يمطر دوما والغوطة بالموت .. أعزف بضراوة مقاتل، يصبح اللحن ضحية ذلك التوتر الذي يلازمني ونوبات الخفقان التي تجتاحني مثل شبكة عنكبوت.

جوقة الموت تتنافس على قتل دمشق، لم يعد الغريب ينام فيها على ظله واقفاً ولا حتى القريب .. دمشق تلفظ الدهشة وتلملم بعض من بقايا الذاكرة حيث يحكى أن..

أصابعي مازالت تعزف لكن صوت ذلك النقاش الحاد بين أمي وأبي يعلو ويعلو .. هو الاصطفاف المقزز، كان الخلاف بينهما على شرعية الموت, كل يشد اللحاف إلى طرفه

كانت الغابة تكبر في المنزل ... وبقي أخي المحامي صامتاً، وبعد دقائق سار نحو غرفته ليكمل لوحته.

أخذت أعزف بشدة، كانت أصابعي مبللة، لا أعرف هل هي تبكي، كل شيء مقنع ومضطرب أنظر في الغرفة كانت شهاداتي معلقة على الجدران منذ الطفولة وحتى انتهاء المرحلة الجامعية حتى اللغات الثلاثة التي أتقنها. تفننت والدتي بذلك الركن الذي صنعته لها، كانت مايسترو حياتي , وكنت أنا مايسترو البحث الطويل عن حياة الحياة.

منذ عدة أيام تم قطع المياه عن الشام وكان ثمن عودتها الدم, الدم مقابل الماء ..أخذت آصابعي تعاني نزيفاً داخلياً و كانت المفاتيح تطلق الأنين، خارطة روحي تمزقت مع كل شبر تعب في تلك البلاد، و أدركت حينها أن الوطن هو فقط في خيال الدراويش، لكن دراويش سوريا لم يتحدوا .. 

ردم الذاكرة يزداد و التاريخ الملتبس يتقيئ دماً .. وأنا مازلت أحلم بحفنة من نغم مختلف, ضعت بين الأقلية والأكثرية, ولكنني أقلية الأقلية و أقلية الأكثرية. 

الموسيقا لادين لها ولا طائفة, لا عرق ولاجنس ولا لغة .. أعزف و أنا أبكي كطفلة تائهة:

 هل أراك.. هل أراك
سالماً منعماً

أضحك من مراهقتي الوطنية والسياسية وأغير الإيقاع مع صوت تلك السيارات الأربع التي تصطف بعنف أمام ذلك االبناء المجاور, يترجل منها ابن الجيران الأهبل الذي بقي في الصف التاسع أكثر من خمس سنوات ولم يحصل عليه لكنه الأن الزعيم الجديد هنا مع أتباعه ومرافقيه، هاهي طبقة الأثرياء الجدد هنا وفي الخارج تنمو

أعرف آنني لن أراك .. لن أراك

يدلف آخي إلى غرفتي ويصفق بقهر قائلاً؛برافو برافو

قتلوا خالد الأسعد واليوم فجروا معبد بعل شمين في تدمر

أتابع عزفي رأسي ينام في صدري 

كل شيء جميل يموت مرتين في بلادي مرة بالتهميش والإلغاء ومرة عندما يتفننوا في قتله

كانت مفاتيح البيانو تبكي؛ بينما كان الجار الأهبل يدخن الأركيلة على التراس و كأنه يقول بليهاو اشربي ميتها، ويعني شهاداتي

و كانت أغنية أنت معلم ونحن منك نتعلم تغزو سماء الشام.

رابط مختصر:



مشاركة



شاركنا برأيك

اختيارات القرّاء